شادي فهيم شامي يكتب | الطاقة الحيوية وطاقة الصيام

0 103

بالإضافة إلى القيمة السامية، والمعاني الجليلة التي يحملها الصيام في كافّة الديانات، والكتب السماوية، فإنه يشكّل حجراً أساسياً في حياتنا، سواء جسدياً أم روحياً أم نفسياً. إنّه دعوة للعودة إلى الفطرة السليمة، ودعوة للعودة إلى اكتشاف النفس والروح من جديد، وتنقيتهما من رواسب وشوائب منعت عنهما النقاء اللتين خُلقتا عليه. إنَه دعوة للتخلّي عن الماديات الزائلة، والرغبات المؤقتة، والألقاب التي بتنا نختبأ وراءها، وباتت تعيقنا عن رؤية أنفسنا، والآخرين إلا من خلالها. إنّه دعوة لتنقية الجسد من السموم، وتزويده بطاقة جديدة تجدّد كل خلاياه. إنه دعوة للمحبة ولشعور الإنسان بأخيه الإنسان، بغض النظر عن العِّرق واللون والدين، إنّه دعوة لتقوية التواصل مع الله، حيث أن بُعدنا عنه، ولهاثنا وراء ملذات الحياة لن يزيد الروح إلا اغترابًا، وما نحن بنهاية المطاف إلا زوّاراً عابرين في رحلة مؤقتة على هذا الكوكب، وعلينا التزوّد بخير الزاد.
إنّ الصيام هو الوقت الوحيد الذي نخرج فيه من سجن الأنا ونتحوّل فيه إلى إنسان بالقيم الحقيقية التي أرادها الله للإنسان والتي قوامها المحبة، والسلام، والعطاء، والنقاء. إنّه قوة إرادتنا وعزيمتنا في مواجهة رغباتنا، وأهوائنا المادية وإخضاعها لسلطة الروح المنزهة عن الماديات، والمتصلة بالله. إنه انتصار النور على الطين، واتصال النور بالنور، فللصائم الحقيقي حظوة ونور من الله لا ينالهما غيره.
يبدأ الصيام باثنتين من أقوى الطاقات المؤثرة بالكون، وهما طاقة العطاء، و طاقة النيّة، حيث يقدم الصائم من خلال نيته الصيام لله طاقة إيجابية كبيرة جداً للكون، وهي تمثّل أجمل أنواع العطاء، حيث أنّ هذا العطاء غير مشروط ، و يتمّ تقديمه بسعادة و حبّ، وشكر و عرفان وامتنان لخالق الكون، على الرغم ممّا فيه من مشقة، وهذا لوحده كفيل بجذب طاقة الخير والوفرة، و لذلك نرى الصائم الحقيقي يكون على الرغم من مشقّة الصيام في حالة سرور و رضا، ونشوة خاصة لا يشعر بها الآخرون، كما يشعر بها هو حيث تقوم هذه الطاقة بشحن كل خلايا جسده المادّي و الأجساد الطاقية المحيطة به، و تقوم بتغذية روحه، و الارتقاء بها إلى مصدر النور معلنة بذلك انتصارها على كلّ الطاقات السلبية، وفي الوقت نفسه، معلنة تجذير هذا الصائم في الأرض من دون التعلق بالرغبات المادية، فهو خليفة الله في الأرض، و قد خلقه الله ليعمّرها بالحب والسلام، و ليس لينافس على امتلاكها، والتعلّق بها.
تخيّلوا كمية الوفرة والحب والخير، والبركة والشفاء التي ستحل على الكون وعلى جميع المخلوقات إذا تمكّنا جميعاً من إدراك المعنى الحقيقي للصيام، وقمنا بإطلاق النيّة الحقيقية له، وأخلصناها لله والتزمنا بها.
فلنستعد جيّداً ولنعدّ العدّة المناسبة، ولنبدأ منذ هذه اللحظة بتدريب أنفسنا على حب أنفسنا، وحب الآخرين حبّاً لا مشروط، ولنتدرّب على ممارسة الامتنان والشكر على كل شيء مهما بدا صغيراً، ولنبتعد عن إطلاق الأحكام على أنفسنا، وعلى الآخرين، فرسالتنا كبيرة جداً، ألا وهي العمل بإخلاص نحو الخير والسلام والحب لنا، وللبشرية جمعاء. ولنكن على يقين مطلق أن الصحة الشمولية بكل جوانبها تكمن في الصيام بمعناه الحقيقي، ولذلك قال نبينا الأكرم (ص) “صوموا تصحوا”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.