صلاح السروى يكتب | اتجاهات البحث فى قضية الهوية المصرية (1-2)

0

انقسم الباحثون حول العوامل والأسباب الموضوعية التى أدت الى نشأة وتكون الهوية المصرية. فمنهم من رأى أن المكان والعامل البيئى (الأيكولوجى) هو العامل الحاسم والمؤثر، وهو السبب الرئيسى فى تلك النشأة وذلك التكون. وأبرز من يمثل هذا الاتجاه الدكتور جمال حمدان، ومعه آخرون.
أما الاتجاه الثانى فهو يرى أن الهوية المصرية قد تكونت بفعل الطبقات الحضارية المتراكمة عبر التاريخ، والتى يسميها الدكتور ميلاد حنان الذى يعد أبرز من كتب فى هذا الاتجاه، “الرقائق الحضارية”. فى اشارة الى تعاقب الحضارات على مصر منذ القدم الى وقتنا هذا. سواء، أكانت الحضارة المصرية القديمة (الكيميتية)، أو اليونانية والرومانية، ومعهما المرحلة القبطية المسيحية، أو كانت المرحلة العربية الاسلامية. فضلا عن التأثيرات المتوسطية والافريقية.
أما الاتجاه الثالث، فهو الذى ينطلق من رؤية اجتماعية – تاريخية لتكون وتطور مفهوم الهوية المصرية. فلقد تكونت هذه عبر مرحلتين رئيسيتين، يمثلهما تحول نظام ملكية الأراضى الزراعية فى مصر. من مرحلة ملكية الدولة لكل المقدرات المادية، الى مرحلة ظهور الملكية الخاصة، وبداية تكون طبقة وسطى مصرية ذات خصائص وتأثيرات محددة على المستوى التاريخى. وعلاقة كل ذلك بالوعى والخصائص النفسية والثقافية لدى الشعب المصرى.
وسأفصل القول، فى ذلك، على النحو التالى:

أولا: الهوية – المكان (الجغرافيا)
يستند أنصار الاتجاه البيئى الزراعى، فى محاولتهم لتفسير ظهور الدولة المركزية ونشأة نوع من التنظيم السياسى والاجتماعى المتطور (نسبيا)، قياسا بالمعطيات التاريخية السائدة فى تلك الأزمان القديمة، وما ترتب عليها من سمات ثقافية وروحية مائزة، الى بيئة النهر السهلية والزراعة الفيضية، التى تحتم وجود حكم مركزى يشمل كل بقاع الاقليم النهرى. ومن هؤلاء: رفاعة رافع الطهطاوى فى كتابه “مناهج الألباب”، الذى أشار الى أن اعمار مصر انما يعتمد على حسن التصرف فى مياه النيل بحفر المجارى المائية وصيانتها الدائمة. وأن هذا الأمر يحتاج الى نوع من التنظيم الصارم والحزم الادارى. وأن قوة الدولة المركزية هى الضامن الوحيد لتحقيق هذا التنظيم وذلك الحزم. بما يؤدى فى النهاية الى استقرار وازدهار البلاد. ويعد رفاعة الطهطاوى أول من فرق بين الزراعة النهرية والزراعة المطرية، ورتب على الأولى ضرورة وجود دولة مركزية (طاغية)، ورتب على الثانية ضعف السلطة المركزية للدولة. (رفاعة رافع الطهطاوى، الأعمال الكاملة، ج1، كتاب مناهج الألباب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1973، ص432 – 433)
ومن هؤلاء، أيضا، ابراهيم عامر فى مقال له بعنوان “مصر النهرية”، والذى حاول فيه تطبيق أفكار كارل فيتفوجل صاحب نظرية “الاستبداد الشرقى” (سيلى الحديث عنه بعد قليل) الذى قطع بأن الزراعة والرى يتطلبان السيطرة على الفيضان، وهذا جهد كبير لايمكن أن يتم بصورة فردية، ولكنه يتطلب جهود الدولة المركزية. وبالتالى فان الدولة المركزية تمثل ضرورة ملحة لنجاح نظام الرى الموحد.(ابراهيم عامر، مصر النهرية، مجلة الفكر المعاصر، العدد 50، القاهرة، 1969 )
ومن هؤلاء، أيضا، ولعله أهمهم، الدكتور جمال حمدان الذى أرجع كل شئ فى مصر من مظاهر طبيعية الى نوع السلطة والمزاج النفسى .. الخ، الى طبيعة البيئة النهرية والمكان الجغرافى اللذين تختص بهما مصر. ومن ضمن ما حاول تفسيره، ظاهرتا “التجانس” والتكاثف”، اللتين يعتبرهما ممثلتين لفكرة جامعة تنطبق على كل شئ فى مصر تقريبا، من طرائق للحياة، الى معتقدات دينية، الى اثنولوجيا البشر .. الخ. وفى محاولته تلك، عزا كل هذه المظاهر الى التجانس الطبيعى (الجيولوجى) والمناخى للاقليم المصرى، متحدثا عن أن مصر هبة المكان (العبقرى). حيث أن “المكان”، بما يحتويه من مكونات بيئية (نهرية – زراعية، ومناخية معتدلة)، هو العنصر الفاعل فى تكوين الشخصية المصرية وما يتبعها من ثقافة وسلوك وأنماط حكم وادارة وأمن .. الخ. فيقول :
“التجانس بعد التكاثف، تلك يقينا هى الكلمة المفتاح والنغمة الأساس داخل هذه البلورة المركزة المضغوطة. فرغم عديد الفوارق الموضعية والمحلية والاقليمية، يسود أجزاء الوادى قدر غير عادى من التشابه طبيعيا وماديا وبشريا. ففى هذه البيئة الفيضية، النهر هو موزع كل شئ: الغرين والماء، التربة والخصوبة، الطبوغرافيا ذاتها. الزراعة والانتاج والعمران والسكان. ان النيل جغرافى مصر الأول وربما الأوحد، انه النهر الخالد بامتياز. وبحكم قوانين الارساب النهرى، تميل هذه التوزيعات جميعا الى الحد الأقصى من التجانس والعدالة والتشابه، والى الحد الأدنى من التنافر والاختلال والتباين. وبالتالى فلا انقطاعات داخلية حاسمة ولا نطاقات متبلورة”. (جمال حمدان، مرجع سابق، ص 39)
و”التكاثف” الذى يذكره جمال حمدان فى صدر هذا الاقتباس، يعنى لديه، تكدس السكان والنشاط الزراعى، على السواء، فى هذا الوادى الضيق المحفوف بالصحراء من ضفتيه. بما يخلق حالة من الكثافة السكانية والزراعية، على حد سواء.
ولعل هذا التكاثف نفسه هو الذى أفضى الى “التجانس” والتشابه والانسجام الفكرى – العقيدى، والسلوكى، لدى المصريين، من سكان الوادى. والمسؤل عن كل ذلك هو النهر الذى يوزع خيراته بعدل وتماثل على طول مجراه. وهو ما جعل من المصريين سبيكة واحدة لاسبيل الى اختراقها فى رأى جمال حمدان.
ويقول، فى موضع آخر، مكرسا لهذه الفرضية، ومستطردا عليها:
“.. فاذا كان ثمة تغيير أو اختلاف فعلى الهوامش والأطراف. ومن ثم تبدو مصر الوادى طبيعيا وبشريا، من التضاريس والمناخ حتى العرق والعقيدة والقرية والمدينة ، جسما متجانسا الى أبعد حد ممكن، لا تتطور نحو التباين التدريجى الا على الأطراف وحدها، حيث تبزغ او تبرز بعض الملامح المحلية أو الابتعادات الخاصة سواء فى المناخ أو البيئة الطبيعية أو المحاصيل الزراعية أو الحرف والمهن أو الموانى والمدن أو حتى العناصر الجنسية والجاليات الأجنبية”. (جمال حمدان ، مرجع سابق ، ص 39)
ان جمال حمدان، اذن، يرجع كل شئ، متعلق بالسكان وطبائعهم وثقافتهم، الى الجغرافيا والبيئة الطبيعية. فالاختلافات أو “الابتعادات” التى يمكن أن تنشأ على “الأطراف”، بالنسبة للاقليم المصرى، ليست ناتجة، عنده، الا عن اختلاف المناخ أو “البيئة الطبيعية”. ف”البيئة” تعد الصانع الأول للانسان والتاريخ. وذلك، على الرغم من تحفظه فى ثنايا حديثه على القول بأن “الجغرافيا” تقوم بممارسة نوع من الحتمية على “التاريخ”. بيد أن فحوى وجوهر توجهه انما ينصب على حقيقية هذه الحتمية الجغرافية وأثرها الحاسم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.