صلاح السروى يكتب | الهوية والرقائق الحضارية (2-2)

0 133

انصهرت “الرقائق الحضارية ” معا، وتحولت الى تلك “للسبيكة” الثقافية والحضارية التى تم ذكرها. وانها بذلك قد اكتسبت خصوصيتها وتميزها الشديدين.

ولعلنا قد لاحظنا أن عرض ميلاد حنا لطبيعة الشخصية المصرية قد غلبت عليه آلية الكتابة الصحفية، التى تهيمن عليها الرؤية الانطباعية الذاتية، بأكثر مما تغلب عليها الرؤية البحثية الأكاديمية المحايدة. وكذلك نلاحظ التعامل “الاعلامى” مع مادة كتابته، من حيث توجيهها نحو معالجة قضايا العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فى مصر. ساعيا، بوضوح الى محولة اثبات وتأكيد خاصية “التسامح”، لدى الشعب المصرى. وهى الخاصية التى يرى أنها قد سادت بين المسلمين والمسيحيين، من هذا الشعب، عبر التاريخ. وخاصة، منذ دخول عمرو بن العاص فى القرن السابع الميلادى (على الرغم من بعض المشاحنات والتوترات التى أشار اليها) !!! ولم يذكر ميلاد حنا، بالطبع، أيا من الثورات التى قام بها المسيحيون فى مواجهة بعض ممارسات الحكام ابان العصر العباسى (ثورة البشموريين، مثلا) أو غيرها.

كما أنه لم يذكر لنا سببا واحدا أدى الى هذا التسامح، سوى أن المصريين قد تعلموه من تلك “الرقائق الحضارية” المتتابعة، والدليل، عنده، على هذا التسامح، هو بقاء المسيحية فى مصر متعايشة مع الاسلام.

وأتفق مع الدكتور ميلاد حنا على أن “التسامح” و”الوداعة” يعدان من الخصائص المميزة للشخصية المصرية، بالفعل. وبشهادة الواقع اليومى الملموس. سواء، تمثل ذلك فى علاقة المصريين ببعضهم البعض، حتى مع الاختلاف الدينى – المذهبى، والعرقى .. الخ، أو تمثل فى علاقتهم بالوافدين من الجاليات الأجنبية. حيث تغلب، دائما، صفة الترحاب والاستيعاب، بعيدا عن العنصرية والاستعلاء. والشواهد على ذلك كثيرة من الوقائع التاريخية المعروفة، ويمكن التدليل على صحتها من خلال كون مصر كانت على الدوام بلدا مفضلا للهجرة واللجوء لأعداد ليست بالقليلة من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، وكذلك، بعض البلدان الأوربية على مدار التاريخ، وبخاصة فى العصر الحديث، (قبل فترة الحربين العالميتين : الأولى والثانية، وبعدها). حيث وفد اليها واستوطن فيها أعداد من اليونانيين والايطاليين واليهود والترك والأرمن .. الخ. جنبا الى جنب مع الشوام والمغاربة والأفارقة والأفغان والعراقيين والليبيين واليمنيين والسودانيين .. الخ. ولا يزال هذا التوافد على مصر مستمرا حتى أيامنا هذه، حيث تتحدث احصائيات (عام 2022)عن ما يقرب من 9 ملايين لاجئ يقيمون فى مصر، معظمهم ينتمون الى بلدان تعانى من الحروب والأزمات الاقتصادية. على الرغم من الظروف الاقتصادية غير الرغيدة التى تعيشها مصر.

حتى فى ثورات المصريين المتعددة، دائما ما كان هذا الشعب من أقل الشعوب ميلا للعنف واراقة الدماء، أو التخريب والفوضى. وذلك، قياسا على باقى الثورات فى المنطقة والعالم.

ولكن هل يمكن تبرير ذلك “التسامح” وتلك “الوداعة”، التى تمثل السمة الغالبة، بحق، على طبيعة الشعب المصرى، بمجرد وجود تلك الرقائق الحضارية ؟؟ وماذا عن الشعوب الأخرى التى مرت عليها حضارات متتابعة لا تختلف كثيرا عما حدث للشعب المصرى، مثل معظم شعوب العالم القديم ؟؟

ان الاجابة على هذه الأسئلة تقتضى عدم الاكتفاء بقراءة المراحل المتعاقبة للتاريخ السياسى والحضارى لمصر، بل أتصور ان هناك ضرورة لمراجعة التاريخ الاجتماعى. بما يمكن أن يقربنا أكثر من امكانية تحديد وتفسير السمات الثقافية والهوياتية المائزة للمصريين. فالى جانب الرقائق الحضارية توجد، أيضا رقائق من النظم الاجتماعية المتتابعة التى وردت على الزمان المصرى. والتى كان لها الدور الأكبر فى صياغة وعى وثقافة المصريين. فالوجود الاجتماعى التاريخى كان، على الدوام، سابقا على الوعى والثقافة، ومنتجا لهما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.