صلاح السروى يكتب | الهوية والرقائق الحضارية (1-2)

0

ولعل معنى التعدد والتنوع يمكن أن يتجسد من خلال مفهوم “الرقائق الحضارية” الذى صكه د. ميلاد حنا فى كتابه : “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية”. حيث يبرز مراحل التعاقب الحضارى التى مرت على مصر، بداية من الأسرة الأولى فى الدولة القديمة الى الدولة الوسطى، ومن ثم، الحديثة. ومن بعد ذلك، المرحلة المتوسطية حيث العصرين اليونانى على يد الاسكندر الأكبر (عام 332 ق. م)، والرومانى، بعد هزيمة كليوباترا فى معركة أكتيوم (عام 31 ق. م). ويشتبك معهما العصر القبطى منذ القرن الأول الميلادى، حتى القرن السابع (عام 641) عندما دخل العرب المسلمون الى مصر . حيث يبدأ البعد العربى الاسلامى للشخصية المصرية.
وهو البعد الذى يتميز، بدوره، بعدد آخر من الرقائق الحضارية تضم المرحلة التى تبدأ بدخول عمرو بن العاص حتى مراحل الضعف فى أخريات العصر العباسى. ثم تبدأ المرحلة الفاطمية التى يمكن أن تعد، بحد ذاتها، طورا حضاريا متميزا. من حيث أنها فرضت المذهب الشيعى الاسماعيلى على مصر، كما فرضت اللغة العربية والدين الاسلامى، على نحو اتخذ طابعا جبريا، فى كثير من الأحيان، قياسا على المراحل السابقة عليها، واللاحقة لها. ولعل هذه المرحلة هى التى شهدت أوسع انتشار للغة العربية والديانة الاسلامية فى مصر، بعد أن كانا منحصرين فى أعداد قليلة من العرب الوافدين والمصريين المقيمين.
وبنهاية العصر الفاطمى بدأ عصر سيطرة العرق التركى. سواء، أكان من المماليك (الذين بدأ حضورهم فى المشهد السلطوى والعسكرى، فى مصر منذ ظهور الأيوبيين)، أو الأتراك العثمانيين. وتلك المرحلة الأخير كانت هى الأخطر فى تاريخ الوجود الحضارى المصرى، وبخاصة فى مرحلة الاحتلال العثمانى لمصر. حيث بلغت فيه مصر أسوأ درجات تخلفها الحضارى.
ومن البدهى القول بأن كل واحدة من هذه المراحل التاريخية، تركت آثارا غائرة فى مكونات الشخصية المصرية، بما لايمكن معه الحديث عن عنصر وحيد فاعل فى التكوين الثقافى للشعب المصرى.
وبالطبع، فان البعد القبطى الممثل لأحد أبعاد التغيرات الثقافية والحضارية المهمة التى طرات على الكيان الثقافى المصرى، منذ العصر الرومانى، مثله فى ذلك مثل البعد العربى الاسلامى، لم ينقض من الوجود، بل لا يزال حاضرا فى صميم هذا التكوين الثقافى، الى يومنا هذا.
ولا ينسى ميلاد حنا ذكر البعد الأفريقى للشخصية المصرية، من حيث العلاقة التاريخية مع السودان والعلاقة المصيرية مع دول حوض النيل من أيام فتوحات محمد على والخديوى اسماعيل، حتى عصر عبد الناصر.
وفى هذا الاطار يؤكد ميلاد حنا على ما يمكن التعبير عنه باسم “الانقطاع الحضارى”، بمعنى عدم تواصل المسيرة الحضارية المصرية الأولى، أو (الكيميتية – كما أفضل أن أسميها)، بل نهاية هذه المسيرة، وبداية مسيرة أخرى هى اليونانية الرومانية – القبطية، ونهايتها، ثم المسيرة العربية الاسلامية، الأخيرة، بعصورها المتعددة. فقد غيرت مصر دينها ولغتها (أى أبدلت العناصر الأهم فى مكونات هويتها الحضارية) ثلاث مرات، منذ الحضارة المصرية القديمة بديانتها الأوزيرية – الآمونية، ولغتها الهيروغليفية، الى المرحلة القبطية حيث سادت الديانة المسيحية بلغتها الديموطيقية، الى الديانة الاسلامية بلغتها العربية. وذلك خلافا لدول قديمة، أيضا، مثل الصين، على سبيل المثال، والتى بقيت على لغتها وأديانها منذ القدم الى الآن، على الرغم من ما يمكن تصوره أو اثباته من وجود تأثيرات حضارية وثقافية وافدة، على نحو أو آخر.
ولا أظن أن هذا “الانقطاع الحضارى” يمثل نقيصة أو مشكلة جوهرية، بالنسبة لمصر. وهو على أى حال، يعد أمرا واقعا لا سبيل الى تغييره أو التنصل منه أو الغاؤه. بل، ربما، يعد، من وجهة نظر معينة، ميزة كبرى. لأنها خلقت نوعا من الثراء والغنى من خلال الروافد المتعددة التى صبت كلها فى مكونات هذه الشخصية. حيث تفاعلت ومنحت هذا الشعب “سبيكة” حضارية وثقافية، ذات طبيعة خاصة، لا يدانيها شعب آخر فى الفرادة والخصوصية.
ويؤكد ميلاد حنا على أن هذه “الرقائق” ليست منفصلة عن بعضها البعض، كما أنها غير متصارعة ولا متضادة، بل انها .. يقول:
” .. متصلة ومتداخلة، كما أنها رقائق شفافة غير معتمة، تركت بصماتها على الهوية المصرية وأعطت للشخصية المصرية هذه النكهة الخاصة، بل هذا التفرد غير المتكرر والذى وفر للمصري السماحة وقبول الآخر، باستمرار المسيحية المصرية متعايشة مع الاسلام المصرى.” (ميلاد حنا، الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، دار نهضة مصر، القاهرة، 1999، ص26) .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.