طوني سماحة يكتب | من وحي عيد الميلاد

0 45

هو عيد ميلاد آخر. مرّ ككل الأعياد السابقة. في نهاية اليوم، عاد سانتا أو بابا نويل الى مكان إقامته في القطب الشمالي ليستريح من سفره الطويل المضني حول الكرة الأرضية. في الكثير من المنازل، ما تزال شجرة الميلاد تومض بالانوار مع أن العيد مضى والهدايا فتحت والصحون والكؤوس فرغت والضيوف رحلوا وأهل اليبت ناموا ولم يتبقى على الارض سوى أوراق الهدايا المنثورة.

مرّ عيد الميلاد وعاد الكل الى الواقع وكأن الجميع كانوا في حلم من عالم آخر. مر العيد وبدأ العد للعودة الى الواقع، فالعامل يحضر نفسه للعودة الى مركز عمله، ورب البيت أخذ بالتفكير في سد الحساب بعد ان اخذ حساب البنك في الانخفاض. مضى العيد وعاد الزوجان الى مشاكلهما القديمة الجديدة. مضى العيد وكأن كل ما كان لم يكن سوى سكرة او حلم. مضى العيد، عاش الجميع يوما وكانه من السماء وهم الآن على استعداد ليعيشوا ثلاثمائة وخمسا وستين يوما على ارض الواقع.

مضى الميلاد، وعدت بالذاكرة الى الميلاد الأول. لم يكن هناك شجرة مضيئة وزينة. لم يكن هناك هدايا ودولارات. لم يكن هناك خمر وحفلات. لم يكن هناك إسراف أو بيع وشراء. لم يكن هناك هذا الركض المحموم وراء السلع. ميلاد الألفية الثانية لا يشبه الميلاد الأول بأي شكل من الاشكال. حتى صاحب العيد لم يعد له وجود وسط العيد. هو الحاضر الغائب. هو المنسي الأول. هو الضيف الذي قد يكون وجوده الاكثر إزعاجا للكثيرين.

الميلاد الاول كان أكثر بساطة، أكثر صدقا. كان هناك عذراء ما كانت لترى في العالم أسره سوى طفل رضيع، وفي ميلادنا امرأة لا ترى في العيد سوى الهدية التي يأتيها بها زوجها أو صديقها. كان هناك نجار بسيط قد يعجز عن سد جوع عائلته، وفي ميلادنا رجال لا يرون في العيد سوى كأس خمر وسكر وربما ما هو أكثر من ذلك. كان هناك طفل أتى ليعطي لا ليأخذ، وفي ميلادنا ربينا أجيالنا وأطفالنا على فكرة الأخذ. فالميلاد ليس ميلادا ما لم يحصل الطفل على هدية واثنين وثلاث.

الميلاد الاول هو ميلاد حياة من الموت، هو ميلاد المغفرة وسط الحقد، هو ميلاد الحب وسط الكراهية، هو ميلاد الانسان من الحيوان، هو ميلاد الامل والرجاء، وميلاد اليوم هو ميلاد الجشع والتجارة والبيع والشراء والاناينة والدوران حول الذات والتخمة وتلبية الرغبات والشهوات.

سامحنا يا طفل المزود. لقد جعلنا من الميلاد ميلادا مسخا. لقد بدلنا المعاني وشوهنا صورة العيد وجعلنا منه تجارة في الهيكل، سوق بيع وشراء. سامحنا لأننا بدلنا الرسالة التي أتيتنا بها وغيرنا مضمونها وحرفنا كلماتها.

أما أنتم، يا من كان العيد عندكم سهرا عند قدمي مريض أو لقمة في فم جائع أو سلاما وسط الحروب أو قبلة غفران أو افتقاد أرملة ويتيم، أو رسالة حب وسلام، فسلام لكم ومنكم وعليكم لأنكم عشتم العيد الذي لم نعرفه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.