عباس علي العلي يكتب | الحقيقة وفلسفة السؤال (١-٢)

0

الحقيقة التائهة ليس طبعا هي من تاهت في الطريق بل أتكلم عن الذين فقدوا التمييز بين الحقائق وبين الأوهام والتصورات والمخيال الظني، فالحقيقية كونها حقيقة فهي مطلقة لا يمكن جعلها نسبية ولا حتى تصورها أن تكون ممكنة بهذا الوصف، ربما يسأل الكثيرون عن معنى الحقيقة؟ وهل بالإمكان تحديد ماهية الحقيقية على الوجه اليقيني؟ ثم كيف لنا أن نميز الحقيقة من سواها حسب ما نقدم لها من تعريفات؟ وقد تكون متناقضة ليس بينها جامع ولا مشترك حتى نتفق على مسمى ودال واحد، هنا نعود للإشكالية التاريخية بشقيها الفكري والمعرفي في تحديد مفهوم الحقيقية والجدال الطويل حول ما هو حقيقي وما هو بغير ذلك، ولكن حتى لا نعود لنفس الجدل الفارغ لا بد أن نشير لجزئية مهمة يمكن أن تكون طريقا لفهم معنى الحقيقية وهي، أن هذا العالم الذي نعيش فيه ونتحرك من خلاله وله قواعد ناظمة ثابتة وسنن أصيلة لا تتغير بتغير الأزمان أو الأمكنة مثال صغير لقضية حقيقية، ونحن نعرف أن القضية مهما كانت من التوسع والشمولية لا يمكنها أن تكون هي كل الحقيقية.
من هذه النفطة لا بد أن أشير إلى أننا عندما نتكلم عن الحقيقية علينا أن نفهم ما هي الحقيقية التي نريد؟ الحقيقية العلمية المحكمة التي لا يمكن التلاعب بحدودها وماهيتها لأنها محكومة بالكلية والثبات، أو تلك الحقيقية التي يتباهى البعض بها كونها وجوهرها تتوافق مع حدود هو من وضعها، وهو من أطرها وبالتالي ليس صعبا عليه أن يخلق حقيقية أخرى ويدع أنها هي كل ما في الوجود من حقيقية، هنا أشير مثلا للحقيقة الدينية التي سعى الكثير وعلى مر التاريخ أن ما في الدين هو الحقيقية الأكيدة بأعتبارها جاءت مع الوحي والوحي جاء من المطلق الذي صنع الحقيقية، فالحقيقة الدينية هي ما جاءتنا وليست ما يمكن أن نكتشفها ولو بمراحل من خلال التجربة وتكراراها وتطويرها، لذا فالدين يقدم وصفة جاهزة عن الحقيقية كما يراها هو، ويريد منا أن نعتمدها دون نقاش وحتى دون فهم، لماذا؟ لأن الله بزعمهم قال هذا!
أليس غريبا هذا المنطق في فهم الحقيقية طالما أنه ليس من حق الباحث عن الحقيقة أن يخضع المنطق في بحثه ويمارس هذا للتجريب والأمتحان، بل وحتى توسله للمنطق العلمي الذي لوحده قادر على الحكم النسبي العالي ولا أقول المطلق على الأشياء، طالما أن البحث لم ينتهي والحقيقة لم يصرح عنها بأنها مكتملة الوضوح والبيان، الحقيقة الدينية حقيقة يخاف عليها من أصحابها أن تمتحن وأن تخضع لوسائل العلم الحديثة، لذا لا يمكن تفسير الحقيقة هنا سوى أنها وهم حقيقي وليس موضوعا حقيقيا قابلا للفحص والتقويم، أما الحقيقة في العلم فهي لا تحضر بشكلها المطلق بشكل كامل، بل هي أجزاء من الحقيقية تنتسب لمواضيعها فقط، ومن خلال جمع المواضيع بمنظومة كاملة نصل للحقيقية التي تاه البعض عنها.
في التاريخ الحضاري الدين هو من فتح في أول نشأته أبواب العلم وهذا منطق لا ينكر، السبب ليس لأن الدين يريد من الناس أن تسلك العلم طريقا أخر للفهم والإدراك والبيات والتبيين والنظر والتدبر مستخدمة غير طريق الدين المعروف، ولكن لأن حركة الدين القائمة على تناقض مع الواقع المستهدف تدفع العقل الإنساني للسؤال، هذا الواقع هو من شرع المنهج العلمي وبناه، طالما تسأل وتبحث فأنت في طريق العلم، النتائج ليست بذات أهمية الباعث وإن كانت هي غاية البحث، كلما كان السؤال مفتوحا على طلب الإجابة كان الطريق العلمي متسع، وكلما كبرت الأسئلة وعظمت في طرح تساؤلات جدية وبعيدة ومركبة كان العلم في طريق التطور والكشف عن حلقات الحقيقية التي واحدتها تفود للأخرى، حتى لحظة منع السؤال بفتوى أو رؤية دينية وبها يتم محاصرة العقل والتضييق عليه يسقط هيكل العلم وتتوقف المسيرة أو تتباطأ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.