عزيز باكوش يكتب | آنا كارنينا للشامخ .. الحب القاتم والعنيف

0 226

تدور أحداث رواية “آنا كارنينا ” للشامخ ليو تولستوي حول سيدة ثلاثينية تدعى “آنا “على مستوى من الجمال والجاذبية، وهي زوجة لـ “كارنينا” أحد المسؤولين المهمين في مدينة بيتسبورغ بروسيا يكبرها سنا بكثير. وقد تمكنت بفضل أناقتها وجمالها وحبها للحياة من إيجاد موطئ قدم في الأوساط العليا في للمجتمع الروسي ، بفعل مغامراتها وانفتاحها وشغبها الجميل وعشقها للحياة الراقية وحبها للظهور في العديد من المنتديات البورجوازية . كان المجتمع الروسي لحظتها في سياق نمو محموم ومتسارع للطبقات الارستقراطية المفتونة بالجاه وحب الظهور والتباهي بالأموال وامتلاك الضيعات واستعباد الفلاحين وركوب الخيل . لتكون الرواية بذلك صورة مدهشة للمجتمع الروسي في القن التاسع عشر. إنها بالمجمل قصة حياة زوجين علاقتين ،حب آنا وفرونسكي ، القاتم العنيف،وعلاقة كيتي وليفين السعيدة المليئة بالحياة.
ذات يوم ستقوم “آنا كارنينا ” بزيارة إلى بيت أخيها أبلونسكي في مهمة رأب صدع خلاف نشب مع زوجته ونجحت في ذلك . وبينما هي تصعد عربة القطار عائدة إلى منزلها ، التقت عيناها بعيني ضابط في الجيش يدعى “فرونسكي”، أحبته من النظرة الأولى ، وتقع في شبك حبه على نحو جذاب ،لتنفجر بذلك سلسلة من مشاكل والاحتكاكات الجافة والساخنة مع زوجها كارنينا ، وساوس وشكوك لا عد لها ولا حصر . حتى أنها باتت تخلق أعذارا للسفر إلى بيتسبورغ ، والتردد على زيارة المرافق والمصالح العليا للدولة بحثا عن عشيقها فرونسكي.

سيل جارف من العواطف الجياشة تجتاحها آنا حين تلتقي بعشيقها فرونسكي، لا سيما بعد أن عرف زوجها علاقتها الحميمية خارج إطار الزوجية. حتى إنها رفضت بشدة عرض زوجها كارنينا أن تبقى معه دون معاشرة ولا حب لمجرد الحفاظ على مظهر أسرته أمام المجتمع الأرستقراطي. لكن سرعان ما ستشتعل نيران الشك ، و تنتابها الوساوس والهواجس لاحقاً بأن عشيقها فرونسكي لم يعد كما كان عاشقا متيما بحبها ، وأن حبه لها قد تضاءل بشكل ملحوظ ، فتدخل آنا في دوامة من الاضطراب واللايقين الذي سينتهي بها إلى الانتحار. فآنا لم تكن سوى امراة شابة وجميلة ،رفضها عشيقها ،فرمت بنفسها تحت عجلات قطار في السكة التي التقته فيها أول مرة امرأة قدمت كل شيء في حياتها للحب،حتى حياتها نفسها”.
والرواية في حد ذاتها معرض اجتماعي مفتوح على نماذج بشرية مختلفة الطباع ، مهزوزة المواقف وغير سوية في الغالب . حيث تغطى شساعات من العواطف الإنسانية المتشابكة ” حب ،كره، يأس ،غيرة غضب، رثاء فرح حزن ” شخصيات ذات أمزجة وقناعات موسومة بالطبقية ،حيث نجدها تتقاسم حالات نفسية وأمراضا مجتمعية أنهكت المجتمع الروسي خلال تلك الفترات العصيبة من تاريخه، على رأسها باطولوجيا الطبقية ، من قبيل صفة النبيل والإقطاعي والصراع حول الميراث وتعدد العلاقات الجنسية، والتباهي بامتلاك الضيعات والخدم ،أمراض فاقت الجرعات المسموح بها اجتماعيا ، تتفاعل في داخلها صراعات كثيرة، أبرزها ما بين القلب والعقل ، أو بين الحب والواجب ،وما بين التدين في شكله المسيحي التقليدي، وحركة التنوير والحداثة وقيم الغرب الزاحفة بلا هوادة في أوساط المجتمع الروسي لا سيما نخبته المثقفة .
و “آنا “نموذج للشخصية التي ستختار أن تعيش وفقا لما يمليه عليها قلبها وعواطفها، فبعد ارتباطها دون حب، بكارنينا رجل يكبرها سنا ، استمر زواجهما ثمان سنوات أثمر طفلا واحدا يدعى سيروجيا ،وبعد إهمال وفتور في علاقة زوجية دون عاطفة،وبروز طواحين من الاختلافات والمماحكات الزوجية، استيقظت على حب جديد احتواها وسود حياتها بالكامل ،ولم يكن عشيقها سوى الكونتيس فرونسكي الضابط الفارس الوسيم ، فاتن السيدات وصاحب انتصارات غرامية كبرى، له طموحات بالوصول إلى أعلى المناصب العسكرية وتقلد مناصب رفيعة ، تعزز مكانته ومكانة أسرته وعائلته بين النبلاء .
لكنها سرعان ما ستثور آنا وتعبر عن عشقها لفرونسكي أمام زوجها بجرأة غير مسبوقة “قالت آنا ببطء ناظرة بيأس في وجهه البارد” أنا أصغي إليك، لكني أفكر فيه ، أنا أحبه وأنا عشيقته، أنا أكرهك،أنا أخاف منك ، يمكنك أن تفعل بي ما تشاء” فالقوانين التي تحكم شخصية آنا “هي قوانين من صنعها الخاص، نابعة بالدرجة الأولى من عواطفها الصادقة وإرادتها المحبة للحياة”
إن حب آنا لفرونسكي في حقيقته ،بل كما صوره تولستوي ،ليس مجرد علاقة استهلاكية هدفها إشباع الرغبات الجنسية ،كما نجدها عند شقيقها ستيفا وزوجته رمز الحداثة،بل كان حباً منزها صادقا كامل العواطف بعيدا عن جميع الرذائل والنزوات الجنسية العابرة. أما شخصية كارنينا زوجها فتمثل قمة الصراع الدائر لحظتئذ في المجتمع الروسي بين عالمين ،الأول متدين قديم وتقليدي ومؤمن بالتقسيم الطبقي الصارم، وعالم ثان ،جديد حيث الطلاق فيه مشروع، ومعارك النساء من أجل الوصاية وضد التمييز مباحة” فيما شخصية فرونسكي عشيق آنا ،الذي ينتمي لطبقة النبلاء ، فقد ارتطمت طموحاته أمام سحر وجمال “آنا” المرأة المتزوجة التي تعاني الإهمال من زوجها كرنينا . ما ساعدها على ربط علاقة غير شرعية مع فرونسكي أنجبت منها طفلة تدعى” آني “، لتجد فيه لفترة ،الحبيب المنتظر. فإذا كان حبها له زاده ثقةً بنفسه، فإن الغيرة والشك سرعان ما ستحول علاقتهما إلى شعور بالندم. وأصبحت مع الأيام عبئًا عليه في طريق تحقيق أهدافه و وطموحاته البورجوازية .
وبسبب هذا الحب ، ومع مرور وقت وجيز، ملأ النفور والتجاهل علاقة آنا بزوجها كارنينا ، ولم يكتف العشيق فرونسكي بترتيب لقاءات سرية ومواعدة علنية آخرها ببيت آنا وبحضور زوجها كارنينا ، بل ،أخبرها بأنه يريدها زوجة شرعية ، وطلب منها التعجيل بالطلاق من زوجها كارنينا ، لأن حياته كنقيب ومسؤول لن تستقيم ولن يكون لها طعم دونها . وسرعان ما تحولت العلاقة بينهما إلى فضيحة وموضوع لحديث الشارع والمدينة ، وشاعت قصة آنا وفرونسكي وباتت فضيحة بجلاجل على حد وصف الأشقاء في مصر . ولأن فرونسكي كان عاشقا للخيل، فقد قرر المشاركة في سباق بالمدينة فكانت فرصة سانحة لزيارة آنا ، وكانت المفاجأة ، أنها حامل منه ،بطريقة غير شرعية طبعا. لم يصب فرونسكي بأذى أثناء سقوطه عن حصان السباق ،لكن حدث السقوط في حد ذاته كان بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الخلافات . حادث ترك توترا عميقا في نفسية “آنا ” التي كانت تشاهد السباق وزوجها الذي لاحظ تأثرها وقلقها النفسي خوفا على صحة فرونسكي لتنغمس أسرة آنا في حالة من التذمر والقلق الرهيبين . في هذه الأثناء ،ومن أجل سمعة كارنينا كمسؤول كبير في هرم السلطة ، سيقرر إجبار زوجته آنا على قطع علاقاتها بعشيقها حتى يحفظ مكانته وشكله الاعتباري بين زملائه، لكن آنا رفضت ذلك ، بل و استمرت في ترتيب اللقاءات مع عشيقها فرونسكي.
في المستشفى وأثناء مخاض الولادة العسير لآنا لطفلتها من فرونسكي ، الذي كاد يفضي لموتها كان منتهى أملها أن يغفر لها زوجها كارنينا ، ويسمح لعشيقها فرونسكي، وكان هذا مؤشرا على عدم ترك آنا لزوجها كارنينا الكريم الجواد السخي دينيا ، لكن فرونسكي سيصاب بالسعار ،بعد أن تحطمت معنوياته وأصيب بالانهيار ، ففكر بالانتحار محاولا إطلاقة رصاصة مرت بجانب القلب دون أن تميته .
وتتصاعد وثيرة الأحداث ، لكن بعد أن تتعافى ،وتتبتل جراح فرونسكي ،عادت آنا لكراهية زوجها طالبة منه متابعة إجراءات الطلاق، حتى يعود إليها فرونسكي الذي ضحى بوظيفته و تخلى عن مهامه العسكرية حتى يكون بجوارها . ورغم سفرهما إلى إيطاليا، بغية تغيير الجو ، لكنَ سرعان ما بدأ فرونسكي يشعر بأن علاقته بآنا تعيقه عن طموحه وأحلامه في الحصول على مناصب متقدمة في الجيش. هذا الوضع سيزيد من تعقيد حالة آنا التي ستقع من جديد ضحية شكوك وغيرة قاتلة . فيعود العشيقان إلى بطرسبورغ، ورغم محاولتها التمسك بفرونسكي. وقد شجعها الفتور في العلاقة وعدم إخلاصه لها ،و ازدياد الشرخ في علاقتهما إلى الشعور بالتعاسة مع قلة النوم ، وقد أدمنت المورفين، أما فرونسكي فقد أصبح يقضي معظم أوقاته خارج المنزل، لا سيما بعد ارتفاع حدة الخلافات بينهما . و عندما تيقنت أنَّها أصبحت تكره فرونسكي، وهو صار يبتعد عنها شيئا فشيئا ، خرجت من البيت غاضبة قلقة كارهة نفسها والعالم ، لتذهب إلى محطة القطار التي التقت فيها فرونسكي أول مرة ،ثمَ ألقت بنفسها على السكة في انتظار الموت القادم لا محالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.