عطا درغام يكتب | دراسات في الأدب الصومالي

0

هناك علي ساحل أفريقيا الشرقي ،حيث تشاطيء مياه المحيط الهندي وخليج عدن سواحلها،وحيث تتصافح أمواج المحيط الهندي مع مياه خليج عدن.وحيث تلتقي أفريقيا بآسيا ولا يفصل بينهما إلا شريط ضيق من الماء،هناك في هذه المنطقة يعيش شعب امتزجت فيه الدماء الحامية بالدماء السامية،واختلطت فيه الصفات الحامية بالصفات العربية،دينه الإسلام،ويمتاز بالرشاقة والتقاطيع الدقيقة..إنه شعب الصومال..أحفاد سكان بونت،تلك البلاد التي يرتبط ذكرها بخمسين قرنًا مضت من تاريخ مصر،يوم كانت طقوس المصريين الدينية لا تُعقد وتتم إلا في جو مشَّبع ببخور بونت..أرض الآلهة.
في هذه البلاد التي تداعب المياه أكثر من ألفي كيلو متر من سواحلها تتنوع الظروف الطبيعية من منطقة لأخري حتي أصبح التنوع هو الصفة السائدة في كل شيء،في المناخ، في السطح، في ألوان الملابس وما أجملها هنا؛حتي الطيور التي يبلغ عددها أكثر من خمسمائة نوع تتنوع في أحجامها وهي تنتقل من غصن إلي غصن فتملأ الحو تغريدًا.
والطيور في الصومال تعيش في أمان لا تخشاك مهما اقتربت منها، فقد عودها الصوماليون علي ذلك لأنهم لا يقبلون علي لحومها.
وسط هذه الظروف المتنوعة في مظاهرها يعيش الصومالي،ففي الشمال حيث الأمطار القليلة تسود حرفة الرعي ،وفي الجنوب تزيد الأمطار نجد أن حرفة الزراعة هي السائدة وأينما سرت في الشمال أو الجنوب تلتقط أذناك ألحانًا من الغناء أو أبياتًا من الشعر أو الحكمة..فالصوماليون شعب يحب الغناء والشعر ويتخذ منهما وسلة لتخفيق عبء العمل.
وللشغر الصومالي مكانة ممتازة في نفوس الصوماليين وهو بمثابة العمود الفقري للأدب الشعبي في الصومال..ولا شك أن الأدب الشعبي لأية أمة من الأمم هو سجل لتاريخها ومرآة تعكس بصدق ظروفها الاجتماعية والسياسية وهو نتاج تجاربها مع الزمان والمكان وثمرات الخبرات التي عاشتها الشعوب..فالبيئة التي يعيش فيها الإنسان وما يحيط به هي مسرح الحياة، بها ينفعل ويتأثر فينطلق خياله ولسانه لينقل الصورة من خلال مشاعره.
ويشمل الأدب الشعبي الصومالي الشعر بأنواعه المتعددة،والحكمة والمثل السائر،كما يشمل القصص والأساطير..وتنتشر موهبة الشعر بين عدد كبير من الصوماليين ،إلا أن بقاء الشعر واستمراره يتوقف علي جودة الشعر وأهمية موضوعه ومدي ارتباطه بمصالح الكثيرين،ومن هنا كان الدور الفعال الذي يقوم به الشعر في تعميم الحوادث ونشرها في بلد تقل فيه نسبة المتعلمين والحائزين علي الأجهزة الحديثة.
ومن أشهر الذين نبغوا في الشعر الصومالي المجاهد محمد عبد الله حسن، ومن من الصوماليين لا يعرف هذا البطل الذي ما خاف الاستعمار ولا هادن أذياله بل جاهد بالكلمة والسلاح، فنجح في التشهير بأعدائه وانتشرت أشعاره، فعمت البلاد،وخلدت ألسنة الشعب هذه الأشعار؛ فتوارثها الأبناء عن الآباء،وما زالت أشعار هذا الزعيم الذي قاوم البريطانيننين أكثر من عشرين عامًا علي ألسنة مئات الألوف من أبناء الشعب الصومالي ومازال حديث بطولته ملء الأفواه.
وقبل أن يتعرض الكاتب للأدب الشعبي تناول الأحوال الاجتماعية والتاريخية والظروف الطبيعية التي استمدت منها عناصر الأدب الصومالي كيانها وأصبح صدي لانعكاس آثارها في نفوس الأفراد.
ومما لاشك فيه أن الظروف الطبيعية والاجتماعية ضوء كشاف لمعرفة وتذوق الشعر الصومالي بوجه خاص والأدب الشعبي الصومالي بوجه عام؛لأن الأدب الشعبي هو بمثابة صور لجوانب الحياة المختلفة التقطها الشعراء أو الأدباء ثم صاغوها بمشاعرهم وعرضوها علينا بألفاظهم فأصبح الأدب الشعبي الصومالي نتاجًا لما اختلجت به نفوسهم وما تمخضت عنه قرائحهم.
ومؤلف الكتاب هو محمد محمود أحمد حمدين من مواليد الرابع من مايو عام 1937 نتخرج في كلية الآداب بجامع الإسكندرية قسم الجغرافيا، واختير عضوًا بالبعثة التعليمية المصرية بالصومال سنة 1965 ، وكلف بتدريس المواد الاجتماعية لتلاميذ الصومال باللغة العربية.جاب البلاد من شرقها إلي غربها واختلط بالصوماليين واندمج معهم،وعندما أحسّ أنه أتقن هذه اللغة غير المكتوبة بدأ يفكر في التقنين لها ووضع قواعدها وتسجيل فروق لهجاتها..
وذات يوم وكلن يوم عيد وطني في الصومال،وقف خطيبًا في حفل رسمي في الصومال، يلقي تحية عميقة من القلب باللغة الصومالية..وكأن تصفيق الاستحسان والقبول الذي صدر عن الصوماليين شهادة بأنه ملك زمام هذه اللغة غير المكتوبة وأنه يستطيع أن يعيش في الصومال كما يعيش ابن أرضها لا يستطيع من يسمعه يتكلم في المحافل أو في الأسواق أن يعرف أنه ليس صوماليًا لولا لون جلده المصري المتميز
ورات البعثة التعليمية المصرية في الصومال أن تستفيد به في ميادين أخري إلي حانب التعليم فولته إدارة دار السينما المصرية بمقدشيو العاصمة،وهي “سينما النصر” التي كانت تابعة للمؤتمر الإسلامي ثم تنازل عنها المؤتمر للسفارة المصرية هناك، كما كلفته البعثة التعليمية المصرية بتدريس اللغة الصومالية للجالية المصرية هناك وانتهزت الإذاعة االصومالية فرصة هذا النشاط العارم فأدرجته في سلكها يذيع الاخبار والتعليقات.
وأعد رسالته عن الماجستير جغرافيا الصومال، ثم جعل الفرصة ليلقي المحاضرات في مختلف أنحاء الصومال شارحًا وجهة النظر المصرية في معاني الاستقلال والحرية والتنمية وحي الوطن وخدمة الجماهير،مذكرًا الصوماليين بتلك الروابط القديمة قدم التاريخ بين مصر والصومال، بلاد بونت” ذات الأريج الذي كان يتصاعد بخورًا في معابد مصر الفرعونية آنذاك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.