علاء عصام يكتب | دعاة مُستنيريين

0 276

شرفت بلقاء وزير الاوقاف محمد مختار جمعة في أكثر من مكان سواء خلال اجتماعه بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب او خلال حديثي معه بالجلسة العامة بمجلس النواب ايضا او خلال ندوة له بالمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام، عن رؤيته واستراتيجيته لتطوير افكار الدعاة ومن يعتلون المنابر في المساجد، وللحقيقة وجدت لديه رغبة حقيقية في تغيير افكارة الدعاة المتشددين وهذه الرغبة تنبع من كونه شيخ مستنير محب للحياة وكان له دور حقيقي في مواجهة الاخوان والسلفيين في المساجد والزوايا، واكد جمعه علي ان هناك دورات تدريبية سيحصل عليها الدعاه في مختلف العلوم والقضايا وخاصة العلوم الانسانية مثل علم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم الانسانية، واري ان هذه الرؤية تحمل منطق ايجابي لاسيما وان هذه الدورات التدريبية ستقلل من الجمود وتساهم في مزيد من الاندهاش والتفكير المتواصل وتجاوز بعض الخرافة في التراث.
أعتقد، وأنا لست متخصصا في الشؤن الدينية ولكنني اري ان البحث عن تغيير ومقاومة الافكار الظلامية والرجعية التي سيطرت على الخطاب الديني ليس ملكا لشيخ او مؤسسة خاصة وان الاسلام لا يوجد به مفهوم لرجل الدين مثلما نري في ديانات روحية اخري فطالما نصلي ونصوم ونذكي ونحج أن استطعنا ونشهد ان لا إله الا الله محمد رسول الله فنحن لسنا في حاجة لرجل دين يعطينا صكوك الايمان والتقوي او يُقنعنا انه يمتلك الراي الصحيح في التفسير، فنحن علينا بعد هذه العبادات الخمس ان نحترم القانون واي شيء مخالف للقانون الوضعي فهو حرام خاصة وان القانون هو ابو الفقه لانه يستند على موافقة جمهور المواطنين ولا يعبر عن راي شخصي او شيخ، وللتوضيح فهناك فارق كبير بين الشريعة والفقه، فالشريعة هي كلام الله الذي عرفناه من القران ولكن الفقه هو تفسير هذا الكلام، وهذا التفسير بشري انساني يختلف من زمان لزمان، فطالما هناك اختلاف بين الفقهاء فلا يوجد حقيقة مطلقة للتفسير ولكنها مجرد اراء انسانية تحمل الصواب والخطأ، كما ان المعارف الدينية لا يحيطها اي سرية او صعوبة في الفهم هكذا يجب ان يكون وليس في تفسير العلوم الدينية اي خصوصية لانسان فاي باحث يتعمق في علوم التفسير ويشترط فيه شروط الاجتهاد ويستطيع ان يأتي براي اجتهادي مناسب للعصر فلا يشترط ان يكون من خريجي كلية اصول الدين، ونحن كبشر نأخذ الراي الذي يناسب مصلحتنا ولا يوقع اي ضرر بنا او بمستقبلنا، ولكن الاهم ان نحرص على العبادات الخمس وعدم مخالفة قانون الدولة.
هناك رأيان تبناهما شيخان للأزهر حول حرمانية أموال الفوائد البنكية أو حرمانية القروض وبعد هذا الاختلاف اتضح ان من ساروا وراء راي حرمانية البنوك او فوائدها او قروضها حدث لهم ضرر كبير، فالذين اعطوا أموالهم لأشخاص بهدف تشغيل هذه الاموال وسُرقت اموالهم باسم الدين خسروا كل اموالهم وبعضهم دخل السجون، واكتشفنا أيضًا أن هذه الآراء الفقهية الخاطئة اضرت بسمعة مصر اقتصاديا ودوليا وكان لها تأثير سلبي للغاية على الدولة وجعلتنا اضحوكة بين الامم، بينما من سار وراء رأي تحليل فوائد البنوك استفاد ماديا ونفع مجتمعه ومن هنا فالقانون انحاز للبنوك وارتضي اغلبية الشعب بأهمية البنوك وكل معاملاتها وخرج لنا مشايخ يؤكدون علي ان اموال البنوك ليس ربا كما اشاع بعض الفقهاء، والملخص ان القانون الوضعي هو تعبير عن ممثلي الشعب داخل البرلمان من مختلف التخصصات وعلينا ان نحترم انتخاب الشعب لهم.
كما أننا للأسف بسبب عدم فهمنا للفرق بين الشريعة والفقه فقد انتشر في خطبة الجمعة قديما وفي بعض الخطب حديثا، خطب تحتوي على آراء فقهية يسوقها المشايخ كونها اراء شرعية اي من يخالفها يدخل النار، وطبعا بعضها يحرم الموسيقي والغناء والتمثيل والفنون بشكل عام حتى الرسم وغيرها من الآراء التي تعبر عن مجتمع قبلي قاسي جدا بعيد تمام عن الحداثة.
من هذا المنطلق اتمني ان يكون من ضمن الدورات التي يحصل عليها الدعاة أن نشرح لهم الفرق بين الشريعة والفقه، وان نؤكد على اهمية القانون الوضعي وليس قيام بعض المشايخ بشيء من الشطط بالتأكيد على أن مصر لا تطبق الشريعة الاسلامية وأن القانون الوضعي مخالف للإسلام، وان نغير كثيرا في المفاهيم الرافضة للتنوع الانساني والتنوع الفكري والاصرار علي اراء عفي عليها الزمن واصبحت مخالفة للحداثة وكل قيم المجتمع المتقدم. واقترح هنا بعض المقترحات التي ستساعدنا على تحقيق هذا الأمل ودعوني استعرضها مع حضراتكم لعل فيها إفادة.
أولًا: تعليم الدعاة علوم انسانية في اوروبا والدول الحداثية… التنوع الثقافي والفكري في دول اوروبا كان له دور هام في تغيير نظرة كثيرا من المشايخ والمفكريين المصريين للحياة، حيث تاثر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وغيرهم من المشايخ الكبار بعد ان عاشوا في الدول العلمانية، حيث جاءوا لنا محملين بافكار تدعوا للتنوير ولا تُحرم مباهج الحياة، وهناك فارق كبير بين الدعاة الذين عادوا لمصر بعد ان زاروا اوروبا وبين الدعاة الذين عاشوا في دول البترول، فكان للثورة الفكرية التي شهدتها اوروبا والتي كانت في مواجهة العصور الوسطي دور كبير في كل هذا المد الثقافي لكل دول العالم، وتاثر دعاتنا بافكار الفلاسفة العظام امثال جون استيوارت ميل وسانثيمون وكانط وغيرهم كان له بالغ الاثر في شخصيتهم، وعادوا يدعون لدولة تحترم الدستور والقانون وحق الانسان في العقيدة وممارسة حياته الطبيعية بكل حرية، وعندما اقرا لبعض كتابات الشيخ محمد عبده اري انه من انقي واشجع واجرأ مشايخ عصره، لاسيما وهو من دافع عن حق المراة في العمل وان تتساوي مع الرجل في كامل الحقوق، كما انه اباح الموسيقي والغناء ولم يحرم الفنون وكانت اراءه التنويرية مؤثرة للغاية في المجتمع.
بالطبع ليست أوروبا ثروة ثقافية مثلما كانت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولكن مناخ التنوع الثقافي والديني له تاثير ايجابي على كل من يزور الدول الاوروبية، كما انني زورت الولايات المتحدة الامريكية في عام 2019 وللحقيقة شاهدت تنوع كبير داخل هذا المجتمع فهناك عشرات الاديان والاجناس والالوان وبشر من كل مكان، ورغم ذلك الجميع يحترم حق الاخر في ان يعيش حياته طالما لا يخالف القانون، ومن هنا جائتني الفكرة لماذا لا نقوم بمساعدة خريجي كليات الفلسفة والشريعة والقانون والتربية واصول الدين ان يتعلموا في اوروبا وامريكا علوم انسانية مثل الفلسفة وعلم الاجتماع ويدرسون علم القانون، واعتقد ان هؤلاء الدعاة سيعودون متاثرين بما درسوه من علوم انسانية تحض على التفكير والاندهاش وعدم احتكار الحقيقة، وبالمناسبة دراستهم للعلوم الانسانية ستجعلهم يفكرون ولا يقعون اثري في حب اعضاء جماعة الاخوان في هذه الدول، وفي ظني لو تولت الدولة توفير منح دراسية سنوية لخريجي هذه الكليات وعادوا مصر بعد ان يحصلوا على الماجيستير والدكتوراه سيكون لهم دور قوي في تغيير الفكر الديني المصري وسيصدر عنهم اراء دينية تناسب العصر.
اقترح بعد عودتهم لمصر ان يقوموا بنقل ما تعلموه لزملائهم الدعاة من خلال الدخول في نقاش واسع مع اقرانهم مرة كل اسبوع ويختاروا موضوعات انسانية اجتماعية في خطبة الجمعة وموضوعات لغيرها من اللقاءات الدينية، كما انهم سيالفون كتب جديدة تناسب وقتنا الحالي، ولو استطعنا ان ناخذ من كل قرية مصرية 5 دعاة يتعلمون في هذه الدول علوم انسانية في ظني سيكون لهذا الامر تاثير كبير على تغيير النسيج الفكري للدعاة.
بالمناسبة وزارة التعاون الدولي نجحت في ان تأتي لمصر بمنح كثيرة فما المانع ان ناخذ منح من جامعات دول اوروبا والولايات المتحدة الامريكية وتكون مجانية ويكون الهدف من وراء هذه المنح التعرف على ثقافة ومعتقدات الاخر ومكافحة الارهاب، كما ان شباب الدعاة الذين سيحصلون على هذه الدرجات العلمية وسيتاثرون بهذا المناخ سيعودوا يُدربوا زملائهم الدعاة في الدورات التدريبية التي تنظمها وزارة الاوقاف ولكن هذه المرة سيعودوا محملين بافكار مختلفة تبعث على التنوير.
ثانيًا: حوار مفتوح مع المثقفين المستنيرين في مصر مع الدعاة… اقترح هنا ان تنظم وزارة الاوقاف ندوات ودورات تثقيفية بين الدعاة ورجال الثقافة والاعلام وفنانين وموهوبين في مختلف المجالات، حيث سيكون لهؤلاء تاثير كبير على هؤلاء الدعاة فلو تخيلنا شيخ من مشايخ صلاة الجمعة الذي يُحرم في مسجدنا الفن ويتحدث اغلب الوقت عن عذاب القبر والنار، والتقي في ندوة او مناسبة مع فنان ودار بينهم حوار وحدث نوع من انواع التعايش الانساني وتبادل الاراء، في ظني ان هذه الفاعليات سيكون لها صداها وتاثيرها على نفسية وعقول الدعاة وعلينا ان ندرك ان دعاة الجمعة والمشايخ بشكل عام لهم دور كبير في التاثير على نفسية وعقليه المواطن واجراء هذه الحوارات يجعلنا نوفر نفقات مالية حيث ان هذا الحوار بدون مقابل ويحدث في مواقع خاصة بوزارة الاوقاف او اندية الدولة، وسوف نعمل علي تغيير افكار كثيرا من الدعاة ونحرضهم نحو التنوير والانفتاح علي الحياة خصوصا مشايخ القري.
ثالثًا: أن يشارك المفكرين المستنيرين في وضع استراتيجية تطوير فكر الدعاة… أود أن أختم هذا المقال باقتراح بسيط حيث اري ان المفكرين المستنيرين من امثال فريدة الشوباشي وفريدة النقاش وجودة عبدالخالق وحلمي النمنم وابراهيم عيسي والفيلسوف مراد وهبه والصحفية امينة النقاش والدكتور اسامة الغزالي حرب والدكتور علي الدين هلال والصحفي ماهر فرغلي وغيرهم من المفكرين والمثقفين المصريين يجب ان يضعوا بصمتهم في استراتيجية تطوير فكر الدعاة، وفي ظني ان نضم لهم خبراء من مختلف المجالات فمثلا عندما يتحدث الشيخ في خطبة الجمعة او اجتماع ديني بالمسجد او في اي مكان ويتحدث حول قضية مجتمعية مثل التحرش او التنمر او تنظيم النسل فعندما يتأثر بكل هؤلاء فبالتأكيد سيكون رأيه يغلب عليه قدر من الاستنارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.