فهد المضحكي يكتب | حول تحديث الخطاب الديني

0

نخطئ لو ظننا أن تجديد الفكر الديني يتمثل في مراجعة ونقد بعض الأفكار المتطرفة المثبوتة في الخطاب الديني، سواء تمثل هذا الخطاب في الكتب الأزهرية، أو في بعض الكتب التي ألَّفها كُتاب متطرفون مارسوا القياس الخاطئ والتأويل والمنحرف للآيات القرآنية، للترويج للفكر التكفيري الذي هو أساس العمل الإرهابي.

وذلك لأن المطلوب حسب رأي الكاتب والمفكر الاجتماعي السيد ياسين قبل أحداث ثورة دينية – ترتكز على المقاصد العليا في الإسلام والتي تتمثل في الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية والحفاظ على الكرامة الإنسانية – هو القيام «بثورة معرفية» لا ترتكز على مناهج التعليم العتيقة البالية سواء في المعاهد الدينية التي تخصصت في تعليم الفكر الديني، وفي مؤسسات التعليم المدني الزاخرة بقشور العلم، والتي لا محل فيها لفكر ديني مستنير.

وهذه الثورة المعرفية المقترحة لها أركان أساسية، أهمها على الإطلاق تأسيس العقل النقدي الذي يطرح كل الظواهر الاجتماعية والثقافية والطبيعية للمساءلة وفق قواعد التفكير النقدي المسلم بها في علوم الفلسفة والمنطق.

وتشتد الحاجة إلى تكوين العقل النقدي بعد ثورة المعلومات التي أدت إلى تدفقها في كل المجالات المعرفية على شبكة الانترنت، مما يستدعي في المقام الأول عقلاً نقديًا، لأن المعلومات لا تكون معرفة، ومن هنا أهمية تصنيف هذا الفيض من المعلومات للتفرقة بين الصحيح والزائف والمتحيز والموضوعي، والركن الثاني تجسيد الفجوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على أساس مبدأ وحدة العلوم، والركن الثالث هو الدراسة العلمية للسلوك الديني لمعرفة صوره وأنماطه السوية والمنحرفة على السواء، والركن الرابع والأخير استخدام الاكتشافات الجديدة في علم اللغة والمنهجيات المستحدثة في تحليل الخطاب لتأويل الآيات القرآنية حتى تتناسب أحكامها مع روح العصر.

في مقال سابق أشرنا إلى أنه لا يمكن تجديد الخطاب الديني إلا بعبور الجسر من العقل الاتباعي إلى العقل النقدي ويعني بالعقل النقدي في هذا المجال بالذات تنقيه كتب التراث من الخزعبلات والخرافات والمرويات غير المعقولة التي تسيء إلى المقاصد الحقيقية للإسلام، فثمة فرق بين التفسير والتأويل، التفسير هو أن تبين معاني الألفاظ الواردة، أما التأويل فهو أنك تهدف إلى الوصول إلى المعنى الكلي للنص والآية، ومن يقفون على حد التفسير لا يفهمون المقاصد الحقيقية للآيات القرآنية، ومن يقفون عند نقل الأحاديث مهما كانت مخالفة للعقل يقترفون جريمة كبر في حق الإسلام المعاصر.

هذا الكلام يقودنا إلى التوقف عند رؤى الكاتب الباحث الفلسطيني عبدالغني سلامة حول أهمية تحديث الخطاب الديني في ظل هذا العصر الذي يختلف في شكله ومضامينه عن كل العصور السابقة، ويعني ذلك لقد ظهرت مفاهيم حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والديمقراطية والعولمة والإرهاب، ونشأت معها تشكيلات ومنظمات ومواثيق ومعاهدات عالمية، لم تكن معروفة من قبل، وفي نفس السياق ظهرت مشكلات جديدة كليًا، أو تعمقت أزمات قديمة واتخذت أشكالاً جديدة، منها النمو السكاني، التلوث البيئي، الطاقة، تطبيقات التكنولوجيا، الحروب، توحش الرأسمالية..

وكل ما ينبق عنها من أزمات ومشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية يعاني منها الإنساني الحديث.

والعالم الإسلامي أمامه تحديات خطيرة وجدية، فأما أن ينخرط في منظومه العولمة الإنسانية، أو يظل في مؤخرة الدول.

وبالتالي فالمطلوب على حد رأيه نحن بحاجة لخطابٍ إسلاميٍ حديث وعقلاني.. تماماً كما فعل المسلمون في القرن الثاني والثالث الهجري.. مع مراعاة التغيرات الجوهرية التي أصابت كل مجالات الحياة في عصرنا الراهن.. وهذا لا يعني إن المسلمين الأوائل هم أول من تلقى الإسلام، وفهموه من منظورهم الخاص، وفقاً للأرضية المعرفية المتوفرة آنذاك، وضمن البيئة والظروف المحيطة، ولكن بالطبع استنادًا لجوهر الدين كما جاء في القرآن، وكما علمهم الرسول.. ولكن مع الوقت أخذت تتشكل تمظهرات جديدة ومتباينة لفهمه وتأويله، فمثلاً بعض أمور العقيدة فهماه الصحابة على شكل مختلف عما فعله التابعون في مراحل الدولة العباسية، كما جاء في مجالات الحسن البصري وواصل بن عطاء والغزالي وابن رشد والفارابي وغيرهم.. فالبيئة الصحراوية التي عاش فيها الصحابة تختلف عن بيئة الحواضر المدني في العصرين الأموي والعباسي.

المقصود من هذا الرأي أن جوهر الإسلام واحد ومرجعيته محددة، إلا أنه ظهرت له صور ونماذج وتفسيرات متعددة ومتباينة، كانت في حقيقتها عبارة عن نتاج تفاعلي حي بين مسلمي ذلك العصر وظروفهم الموضوعية والذاتية، إن الدين الإسلامي دين ديناميكي، مرن، متطور.. بدا بسيطاً، بساطه البيئة التي نشأ فيها وتضمن الأحكام العامة (القرآن الكريم).. ثم نما وتطور أخذ صيغته الحالية (المتعددة) في العصر الأموي العباسي، وكل التطورات التي حدثت فيما بعد لم تبتعد كثيرًا عنها (بسبب تعطيل الاجتهاد) وهي صيغة تشكلت وتطورات على يد فقهاء ومجتهدين وكانت انعكاسًا للبيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تبلورت فيها، أما اليوم فنحن بأمس الحاجة لتقديم رؤية جديدة متطورة للإسلام، خاصة فيما يتعلق بما ظهر من مستجدات.

ثمة أسباب موضوعية أخرى تستدعي هذا التحديث، يمكننا وحسب تصنيفه لها أن نوجزها فيما يلي: أولها إن العالم الإسلامي يعيش حالة من الضعف ويعاني من مشكلات وأزمات لا حصر لها.

وثانيها: بسبب حالة التشرذم والتفكك والصراعات الطائفية والمذهبية، التي تتطلب خطابًا توحيديًا ديمقراطيًا يستوعب الجميع.

وثالثها: ظهور نماذج مختلفة ومتطرفة من الإسلام السياسي بكل ألوانه أسهمت في تشويه صورة الإسلام وعمقت حالة الإرباك حول من يمثل الإسلام الحقيقي، ورابعها: تقديم إجابات عصرية عقلانية لتحديات العصر.

وإزاء قضية تحديث الخطاب الإسلامي نحن اليوم أمام وجهات نظر متناقضة، منها ما تدعو لتنقية التراث الإسلامي من التفسيرات المغلوطة والخرافات ومنها من يقدم قراءة نقدية للخطاب الديني برمته، ومن ينتقد كل التراث الديني ويدعو إلى تجميد النصوص، ومنها من يعتقد أن أي عملية تجديد للدين إنما هي محاولة فاشلة.

وفي الموقف المضاد نجد المؤسسات الدينية التقليدية ومعظم حركات الإسلام السياسي غير واضح ومتذبذب.

عمومًا هؤلاء يعتقدون بوجود نموذج موحد للإسلام وهو صالح لكل زمان ومكان، وليس بحاجة لأي تحديث بل بحاجة لدولة خلافة تطبقه بأمانه.. علمًا بأن هذا الطرح (من وجهة نظر من يدعو للتجديد) غير واقعي وغير تاريخي، بدليل ما نراه اليوم من صورة متعددة ومتناقضة لنماذج كلها تعتقد أنها تمثل «الإسلام الصحيح» أما النموذج السائد حاليًا، فهو ما تم تناقله عبر أجيال، وهو النموذج الذي ساد بعد تراجع دور العقل لصالح النقل وتقديس النصوص، وبعد تفريغ الإسلام من مضامينه الثورية.

إذا اتفقنا على أهمية تجديد الخطاب الديني، فالسؤال المطروح: هل يمكن ذلك دون مناخ ديمقراطي يضمن حرية التفكير والتعبير والاجتهاد، ودون تخويف أو تكفير من الغير؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.