كامل عباس يكتب | الشمال والجنوب بعيون أدبية

0

روايتان أثرتا في عقلي وروحي هما
1- الشمال والجنوب للكاتبة البريطانية أليزابيث غاسكل نّشرت في عام 1855م
2- رواية – التراب الأمريكي- للكاتبة الأمريكية جنين كمنز التي نشرت اوائل هذا القرن .
ولكنهما يحملان نفس الهّم
رواية – الشمال والجنوب – تتحدث عن المجتمع الفيكتوري والتفاوت الهائل في الثروة بين الناس مع اقرارها بأن اهل الشمال أغنى بشكل عام من اهل الجنوب . بطلة الرواية هي ابنة قس كاثوليكي ترك وظيفته في الكنيسة رغما عنها – مع انها المصدر الوحيد لرزق العائلة – لأنه رأى بالكنيسة انحرافا عن الدين القويم وهو لا يستطيع ان يخون ضميره الديني من اجل بضعة دريهمات, ولكن ابنته اعترضت على سلوكه واستفاضت في الحديث عن الحقيقة وكانت اقرب الى المثل الشعبي في قريتي الذي يقول كذب ينجي خير من صدق يهلك , بنفس الطريقة عالجت موضوع الاضراب في المعامل بين العمال وارباب العمل ووصفت احدهم
( جون ثورتين ) بأنه جمع ثروته بنشاطه وجده واجتهاده ولن يسمح للمضربين في معمله ان يُخرّبوا نمو رأسماله مهما كلفه الأمر لأن في ذلك تدميرا له ولأسرته ولمستقبله , اما العمال فقد أصّروا على الاضراب حتى يرفع صاحب المصنع الأجر دون الاصغاء له ولمعاناته.
أما رواية – التراب الأمريكي- فهي تتحدث عن رحلة المهاجرين الأمريكيين الجنوبيين باتجاه التراب الأمريكي في الشمال أوائل القرن الواحد والعشرين – أي بعد حوالي مائة وخمسين عاما على صدور رواية الكاتبة البريطانية – حيث يموت مهاجر على الحدود المكسيكية الأمريكية كل عشرين ساعة هربا من فظائع كرتيلات المخدرات الذين جنّدوا قطاع طرق ومغتصبون ولصوص يختبئون في صفوف الشرطة والجيش وحرس الحدود يُسّهلون عليهم تقطيع أعضاء ضحاياهم وإعادة ترتيبها في لوحات رعب حيه تبث الذعر في نفس كل من يُفّكر بالتمرد على كرتيلاتهم ,.
تصف لنا الكاتبة معاناة أولئك المهاجرين في رحلتهم وهم يفترشون جسورا أو يتسلقون الأشجار ليقفزوا منها الى سطح القطار عندما يمر القطار من تحتهم واذا نجا الواحد منهم في قفزته فان أهوالا أخرى تنتظره على الطريق الطويل وفي أماكن تجمعهم حيث يضطرون الى التبرز والتبول بشكل جماعي ومكشوف أحيانا. (شعرت وانا اقرأ الرواية وكأن الكاتبة تتحدث عن هجرة السوريين وبدلا من القفز الى سطح القطار فان القفز عند السوريين هو من القوارب التي يحرسها المهربون في عرض البحار ليصبحوا طعاما للأسماك ومن نجا منهم من أهوال الرحلة فانه سيلقى مصيرا مشابها قبل ان يتمكن من دخول البلد الذي قصده مثله مثل أبطال الرواية وقد يبقى أياما في العراء يتبول ويتبرز بنفس طريقة المهاجرين المكسيكيين تحرسه الشرطة والجيش والأمن للدولة المضيفة).
لكأّن الرواية تريد ان تجعلنا نتساءل : لماذا تحّولت الهجرة الى كابوس بدلا من حلم؟ وأين الانسان وحقوقه في عصر يتحدث إعلامه عن أخّوتنا الانسانية .
لن أكرس جهودي في هذه المقالة المتواضعة لنقد الروايتين بالمعنى الأدبي فهناك نُقّاد ادبيين اقدر مني على فهم البناء الدرامي لكل من الروايتين وهل جاء الزمن لصالح بناء درامي افصل في الرواية أم تراجع بناؤها الدرامي ؟ . يهمني هنا كسياسي- امضيت اكثر من خمسين عاما بين مطارة واعتقال وما زلت ارى نفسي كأنني انتقلت من السجن الصغير الى السجن الكبير – موقف الأدباء الملتزمين بالدفع نحو عالم يتفوق فيه الانساني على الطبقي أكثر من السياسيين مع انه كان من المؤمل ان يحصل العكس . وهذه أدلتي.
تعلمت من مدرسة العلوم الطبيعية في الجامعة أن الجملة العصبية تُقسم الى قسمين
1- قسم ودي قائم على اعصاب ترتبط بحبل شوكي يصل الى دماغ مقره في الجمجمة ويحوي على مركز ذكاء وذاكرة وتفكير يؤهله لا جراء عمليات تفكير معقده ولذلك يسمى حيوان ناطق تمييزا عن بقية الحيوانات التي تشترك معه في بنية عصبية مشابهة .
2- قسم شبه ودي لا يسيطر عليه الدماغ تماما ويعمل بشكل لا ارادي عند الانسان والحيوان ويختص بالغرائز والأفعال المنعكسة الشرطية التي تنتهي بالبصلة السيسائية ولا تصل الى الدماغ .
يترجم ذلك بلغة الفلسفة كما يلي : ان الحصول على المعرفة له مصدران مصدر عقلي ومصدر حسي يطلق عليه العاميون مصدر قلبي رغم ان القلب عضلة تعمل بشكل لا ارادي ولا علاقة له بالإحساس او العواطف .لكنه يتأثر بشكل لا ارادي في الجملة شبه الودية والجملة الودية معا
المصدر الحسي يقوم على التخيل في حين يقوم المصدر العقلي على التفكير
المصدر الحسي تاريخيا اعطى للانسان خلال تاريخه الدين بما فيه من اساطير والفن والأدب أما المصدر العقلي فأعطى كل الانجازات العلمية التي نتمتع بها الأن ابتداء من اختراع الكهرباء , مرورا بتفجير الذرة والحصول على طاقة هائلة منها يتحكم فيها الانسان , انتهاء بالذكاء الصنعي الحالي
يهمني هنا في وضعنا الحالي الذي بدأ باتجاه حرب عالمية ثالثة لانعرف كيف ستنتهي ان اقول : كل العلماء استعملوا عقولهم لمصالحهم الذاتية بالنهاية . وضعنا الحالي خير شاهد على ذلك فبدلا من ان يقيدنا العقل على سبيل المثال ليجعلنا – على سبيل المثال لا الحصر- ضمن بيئة اكثر توازنا مع الطبيعة حصل العكس لأن الانتهازيين من السياسيين باعوا ثقافتهم ونتاج عقلهم للطبقات المالكة , في حين كان الطريق الحسي المتمثل في الدين والأدب والفن وكل ما معه من تخيل اقل بكثير منهم في الاستجابة لمصالحهم الخاصة ومن يقرأ الروايتان بإمعان سيجد انهما في طليعة الأدب الذي يدعو الى اخوتنا الانسانية في حين ما يجري في مدن اوكرانيا – التي لاوجود فها حاليا للكهرباء ولا للماء ولا للطاقة وفي هذا الشتاء القارس اكبر ادانة للسياسيين الذين عندما وصلوا الى السلطة نسوا كل تعاليم العقل التي تحض على انسانيتنا المشتركة واستعملوا كل منجزات العقل لتدمير اخوتهم في الانسانية والآتي اعظم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.