محمد حمادي يكتب | نصر أكتوبر ودموع الهزيمة فى عيون وقحة (٣ – ٣)

0 239

ناحوم جولدمان رئيس الوكالة اليهودية الأسبق:

(إن من أهم نتائج حرب أكتوبر ١٩٧٣ أنها وضعت حدا لأسطورة إسرائيل التى لا تهزم .. وللتفوق العسكري المطرد لإسرائيل فى مواجهة العرب .. كما كلفت هذه الحرب إسرائيل ثمنا باهظا – حوالي خمسة مليارات دولار- وأحدثت تغييرا جذريا فى الوضع الاقتصادي فى الدولة الإسرائيلية .. التى انتقلت من حالة الأذهار التى كانت تعيشها قبل عام إلى أزمة بالغة العمق كانت أكثر حدة وخطورة من كل الأزمات السابقة .. غير أن النتائج الأكثر خطورة كانت تلك التى حدثت على الصعيد النفسي .
لقد انتهت ثقة الإسرائيليين فى تفوقهم الدائم كما اعترى جبهتهم المعنوية الداخلية ضعف هائل .. وهذا اخطر شيء يمكن أن تواجهه الشعوب وبصفة خاصة إسرائيل وقد تجسد هذا الضعف فى صورتين متناقضتين أدتا إلى استقطاب إسرائيل على نحو بالغ الخطورة .. فمن ناحية كان هناك من بدئوا يشكون فى مستقبل إسرائيل , ومن ناحية أخرى لوحظ تعصب وتشدد متزايد يؤدى إلى ما يطلق اسم “عقدة الماسدا ” ( القلعة التى تحصن فيها اليهود أثناء حركة التمرد اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية , ولم يستسلموا وماتوا جميعا ) )

الجنرال الإسرائيلي دافيد اليعازر رئيس الأركان الإسرائيلي ١٩٧٣:

( إن حرب أكتوبر هي حرب تختلف عن كل الحروب التى خضناها ضد العرب . كانت المبادرة دائما فى أيدينا , وكان التحرك بالنسبة لنا أمرا سهلا لأننا نحن الذين كنا نهاجم , ولكن هم الذين هاجموا . ومعنى ذلك أن التوقيت لهم والهجوم لهم , أما المفاجأة فهي التى لنا . وأصبح علينا أن ندافع , وهذا أمر مرير كان يحز فى نفوسنا.
استندت في تكوين رأي بأن مصر لن تهاجم إسرائيل إلى تقديرات جهازي المخابرات الحربية والموساد الإسرائيليين بأن “الفرصة ضئيلة” لاندلاع حرب وبأن استعدادات القوات المصرية ما هي إلا مجرد تدريبات روتينية )

أرييل شارون قائد فرقة مدرعة بالقطاع الأوسط لسيناء خلال حرب أكتوبر
في مذكراته التي حررها بالعبرية دافيد شانوف :

(أطلقنا في المعركة إحدى أشهر وحداتنا فلم يكتف المصريون بصدها بل عملوا إلى نتف ريشها.. وهذا الموقف أخرجني من ثيابي
إن يوم 8 أكتوبر كان كارثة حقيقية و”كابوسا” لرجال الدبابات الإسرائيلية الحقيقة إن محنة هذا اليوم أغرقت القيادة العليا للجيش الإسرائيلي في حالة من الذهول حتى أنها لم تعد تدري ما ينبغي فعله )

الجنرال الإسرائيلي يشيعا جافيتش:

( بالنسبة لإسرائيل فى نهاية الأمر انتهت الحرب دون أن نتمكن من كسر الجيوش العربية..لم نحرز انتصارات .. لم نتمكن من كسر الجيش المصري أو السوري على السواء .. ولم ننجح فى استعادة قوة الردع للجيش الإسرائيلي .. وأننا لو قيمنا الانجازات على ضوء الأهداف ..لوجدنا أن انتصار العرب كان أكثر حسما .
ولا يسعني إلا الاعتراف بأن العرب قد أنجزوا قسما كبيرا للغاية من أهدافهم .. فقد اثبتوا أنهم قادرون على التغلب على حاجز الخوف والخروج إلى الحرب والقتال بكفاءة ..وقد اثبتوا أيضا أنهم قادرون على اقتحام مانع قناة السويس ولأسفنا الشديد فقد انتزعوا القناة من أيدينا بقوة السلاح )

شموئيل جونين قائد المنطقة الجنوبيةعلى الجبهة المصرية
في شهادته أمام لجنة التحقيق الإسرائيلية “أجرانات” في إخفاقات الحرب :

(لم يكن هناك تنسيق على الجبهات وكانت لدينا أسلحة صدئة وذخيرة غير صالحة
تسلمت القيادة وهى في حالة سيئة، ولم يكن لدي الوقت الكافي لإصلاح جميع العيوب، وعملت على بناء أشياء كان من الضروري أن تكون موجودة قبل أن أتولى منصبي، ولكن من الصعب أن تصلح فى شهرين إهمال سنوات)

اللواء ايلى زاعيرا رئيس الاستخبارات العسكرية ١٩٧٣ :

(إن ما حدث فى يوم الغفران كان أكبر من مجرد تقدير خاطئ للموقف سواء بالنسبة لاندلاع الحرب نفسها مرورا بالعمليات الحربية …. كانت مفاجأةحربأكتوبر زلزالا هز إسرائيل هزة نفسية عميقة وأدى إلى انهيار الدعامات الأساسية لنظرية الأمن الإسرائيلية )

“يعقوف حسدائى” المؤرخ العسكرى وأحد المشاركين فى لجنة “أجرانات” التى شكلت فى أعقاب حرب أكتوبر للتحقيق فى إخفاقات الجيش الإسرائيلى فى حرب أكتوبر 1973:

(كشف أنه قبل اندلاع الحرب وقعت مشادات كلامية وخلافات بين موشيه ديان وزير الدفاع ورئيس الأركان وقت الحرب “ديفيد اليعازر” بعد علم إسرائيل بأن الجيش المصرى سيشن هجوم على القوات الإسرائيلية فى سيناء يوم السادس من أكتوبر فى تمام الساعة السادسة مساء .
وقال إن رئيس الأركان اليعازر اقترح القيام بهجوم استباقى على الجيش المصرى لكن “ديان” اعترض، لاحتفالات الجنود بعيد يوم الغفران فى الديانة اليهودية، كما اقترح “اليعازر” على “ديان” أيضا إعلان التعبئة العامة فى صفوف الجيش أو على الأقل استدعاء كتيبتين من المدرعات والمشاة إلا أن “ديان” رفض كذلك .
وأكد أنه فى أعقاب الحرب ازداد الخلاف بين “ديان” و”اليعازر” من جهة وقيادات الجيش من جهة أخرى حول كيفية التعامل مع مجريات الحرب، لدرجة أن “اليعازر” تقدم باستقالته لرئيسة الحكومة جولدا مائير عقب وقف إطلاق النار بين الجيش المصرى والإسرائيلى )

لقد كانت حرب أكتوبر 1973، بلا أدنى شك، أحد أهم، وأعظم، الأحداث التاريخية فى العصر الحديث، والتى غيرت العديد من المفاهيم والأفكار السياسية والاستراتيجية والعسكرية، ليس فى الشرق الأوسط فحسب، بل امتدت آثارها إلى العديد من مناطق الصراع حول العالم ،وأفرزت حرب أكتوبر عاملًا جديدًا، لم يظهر، من قبل، فى حسابات القوى، وهو الجندى المصرى. ذلك الجندى الذى يعود إله ولإنجازاته فى حرب 1973 الفضل فى أن تقوم معاهد الدراسات الاستراتيجية والعسكرية بإضافة عامل جديد لحسابات القوى، وهو «النوعية القتالية»، ويُقصد بها الفرد المقاتل. ذلك العامل الذى غاب، قبل 1973، عن كل الحسابات والتقديرات، مما أدى إلى نتائج مغلوطة عن تفوق الجيش الإسرائيلى.
إن الانتصار المصرى فى حرب أكتوبر 1973 قد غيّر العديد من المفاهيم فى مجال الفكر العسكرى العالمى، وأنا على يقين بأن ما يحتفظ به الجانبان من وثائق يحمل فى طياته العديد والعديد من العِبر والدروس المستفادة، التى من شأنها إضافة مبادئ جديدة إلى العلوم العسكرية. وتظل هذه الحرب عملًا عسكريًا عظيمًا حققته القوات المسلحة المصرية، بالتعاون مع شعب مصر العظيم، وبمساندة من كل الشعوب والجيوش العربية، لترتفع هامات العرب جميعًا، بعد أعظم انتصارات العصر الحديث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.