محمد عمارة تقي الدين يكتب | نحو إعلام ديني أكثر تراحمية (4-4)

0

دعونا نتوقف عند بعض المنطلقات المركزية التي على الإعلام الديني التمركز حولها من أجل رسالة إعلامية ذات نزعة إنسانية قيمية:

أولًا وقبل كل شيء يتحتم على الإعلام الديني السعي نحو تأكيد النزعة القيمية ذات الصبغة الإنسانية في الأديان والتي أضحت ضرورة ملحة للعالم أجمع، فأزمة النظام العالمي القائم هو في سيطرة منطق القوة عليه وغياب العدالة عنه حيث البقاء فيه للأقوى ماديًا وليس الأصلح أخلاقيًا، وهو ما جرها إلى الواقع الكارثي الذي تحياه اليوم، فعندما يستقر هذا التصور في وعي الإعلامي ووجدانه فإنه حتمًا سيتجه إلى تأكيد تلك النزعة الأخلاقية باعتبارها تصورًا مركزيا في الدين، وأية أيديولوجية انحرفت عنها فهي لا تمثل هذا الدين في شيء، وإنما تمثل أتباعها ومعتنقيها، فعبر تأكيد هذه النزعة الأخلاقية إعلاميًا ليتأسس وعي عام يلتف حولها يمكن بناء تحالف عالمي إنساني ومشترك إنساني بين أصحاب الأديان المختلفة، بل بينهم وبين حتى من ينكرون الأديان فكلنا في نهاية الأمر نتشارك ذات الكوكب ونسبح نحو ذات المصير.

كذلك التحرر من سجن الأيديولوجيا والتحزب الديني الضيق، فواحدة من أهم استراتيجيات تحريف الدين هي صبه في قالب أيديولوجي حديدي يستحيل معه أن يُفهم الدين إلا من خلاله، ومن ثم يتم تطويع كل عقائد الدين لتبرير هذه الأيديولوجيا فنجد أنفسنا في نهاية الأمر أمام دين جديد مخالف تمامًا لدين التأسيس بل ومضاد ومعادٍ له في كثير من الأحوال، فعلى الإعلامي وكذلك المتلقي أن يصرع ذئب الأيديولوجيا الرابض داخله، ألا يسجن فكره داخل أيديولوجيا فكرية أو سياسية أو دينية مغلقة يحاول تبريرها طوال الوقت، بل عليه أن ينفتح على كل الأفكار والاتجاهات ويقف على مسافة واحدة من الجميع، بل وعلى الإعلامي أن يرسخ هذا الفكر في وعي مشاهديه حتى يتأسس وعي عام حقيقي يقوم على المعرفة والتفسير وليس الأيديولوجيا والتبرير.

كما أننا بحاجة، وكما يؤكد البعض، لجراحة عاجلة لاستئصال ذلك الورم الخبيث الذي نما في عقل الأمة منذ قرون وهو الغلو في التركيز على الماضي ومحاولات إحيائه بكل معاركة وصراعاته واشتراطاته التاريخية، وهو ما لن يتأتى من دون إعادة توجيه وجدانها صوب المستقبل، تأسيسًا على معطيات الحاضر، عبر رسم مسارات لهذا المستقبل شريطة بث الأمل في مستقبل أفضل يمكن تحقيقه إذا ما تضافرت جهود الأمة وتم شحذها لأجل تلك الغاية.

كذلك يتحتم حماية الدين من استغلاله السياسي، فكل الأديان السماوية دون استثناء لم تنجو من هذه التوظيف الخادع، فالسياسة أضرَّت الدين حين قتلت بعده الروحي وجعلته مجرد أيديولوجيا تم توظيفها لتحقيق أطماعها السياسية، من هنا تأتي الحاجة لإعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين الديني والسياسي، وهو أمر يتطلب جهودًا كبيرة من قِبل علماء الأديان والاجتماع والسياسة معًا لتحرير الدين من التوظيف السياسي الانتهازي له، وفي نفس الوقت للإفادة من المخزون القيمي والأخلاقي في الأديان في ضبط الممارسة السياسية.

وفي التحليل الأخير، تبقى كلمة مفادها أن الإعلام الديني تقع على عاتقه تبعة كبيرة، تبعة إعادة إنتاج صورة ذهنية جديدة لدى الآخر حول الأديان بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة كبديل للصورة المشوهة التي ترسخت في الوجدان البشري، صورة من شأنها تأكيد المقاصد الحقيقية لتلك الأديان كما أرادها الله، آخذًا بمقتضيات الحداثة وروح الانفتاح على الآخر، ومبشرًا بميلاد عصر جديد، عصر يحمل الخير للبشرية جمعاء، على أن يتأكد من سلامة ونظافة الوسائل التي يتبعها، منطلقًا من رؤية الأديان وفرضيتها الأساسية كما في إصدارها الأول, بأن الغاية لا تبرر الوسيلة وأنه لا يجب بأية حال التضحية بالوسائل على مذبح الغايات.
وفي النهاية دعنا نردد مع الفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو قوله:”القرن الحادي والعشرون سوف يكون روحيًا دينيًا أو أنه لن يكون”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.