معتز الشناوي يكتب | اغتيال هيباتيا من جديد في أتيليه الإسكندرية

0

ما أشبه الليلة بالبارحة، عندما قام حشد من المتشددين، بقتل هيباتيا السكندرية، تلك الفيلسوفة الأفلاطونية، متهمين إياها بممارسة السحر والإلحاد والتسبب في الاضطرابات الدينية. قُتِلَت هيباتيا، وتسبب مقتلها -بدم بارد- في انحدار شديد للحياة الفكرية السكندرية.

كان مقتلها مأساويًا على يد جموع من المتعصبين، تتبعوها عقب رجوعها لبيتها بعد إحدى ندواتها، حيث قاموا بجرها من شعرها، ثم نزع ملابسها، وجرها عارية تمامًا، بحبل ملفوف على يدها في شوارع الإسكندرية، حتى تسلخ جلدها، ثم إمعانًا في تعذيبها، قاموا بسلخ الباقي من جلدها بالأصداف إلى أن صارت جثة هامدة، ثم ألقوا بها فوق كومة من الأخشاب وأشعلوا بها النيران، وكان ذلك على الأغلب في شهر مارس من عام 415م.
مرت السنوات وقام الفنان المصري الشهير محمد ناجي بتأسيس “أتيليه الاسكندرية”، عام 1934، ليصبح منارة ثقافية ليس لسكان الإسكندرية وحدهم، بل ولكل دول حوض البحر الأبيض المتوسط، فقد أصبح للأتيليه، على مر السنوات، مكانة يستمدها من عبق تاريخ هيباتيا -عميدة المدرسة الأفلاطونية- فهو مكان استضاف عروض لأعمال بيكاسو ورودان، ومقصدًا دائمًا لكبار المصورين والنحاتين والفنانين من كل أنحاء العالم للمشاركة في الفعاليات وعرض أعمالهم.
منذ تأسيسه، ترأسه الفنان محمد ناجي، وتلاه أحمد عبدالهادي، أحد كبار محاميي الإسكندرية، ثم الفنان الكبير سيف وانلي، والدكتور محمد لطفي دويدار، ثم المهندس راداميس اللقاني، والفنانة نعيمة الشيشيني، ثم الدكتور شمس الدين أبو العزم، وبعده الدكتور محمد رفيق خليل، نقيب أطباء الإسكندرية الأسبق، وخلفهم الدكتور مصطفى عبد المعطي، الرئيس الحالي للأتيليه، وهو ليس فقط الحائز على جائزة النيل في الفنون لعام 2021 بل والمشرف العام الأسبق على المركز القومي للفنون والآداب، ووكيل أول وزارة الثقافة الأسبق، ورئيس الأكاديمية المصرية للفنون بروما حتى عام 1996، وأستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وجميعهم قامات علمية وثقافية وتنويرية تتباهى بها الأمم. وقد بذلوا كل جهدهم لإبقاء الأتيليه، صرحًا تنويريًا في عروس المتوسط.
أصبح الأتيليه على مدار عقود من الزمن، هو مقر دائم لمدارس الرسم والشعر والموسيقى والسينما، ومكان طبيعي لاستضافة وتواجد كبار المحاضرين من مختلف المجالات الفنية والثقافية والتنويرية، إلى جانب معارض الرسم والنحت والحفر على أرفع المستويات، بالإضافة لصالون الأتيليه السنوي للفن، والذي اكتسب شهرة اتسع مداها إلى كل أنحاء العالم. وأنارت قاعات الاتيليه، عروض مسرحية وموسيقية وسينمائية، شارك فيها فنانون ومخرجون كبار، منهم داود عبد السيد، ومحمد فاضل، وعلى بدرخان، وغيرهم الكثير، وكل أعمال وفاعليات الأتيليه منذ نشأته لا تهدف للربح بل تنشر الثقافة والتنوير فحسب. ورغم أن مقره الكائن في شارع فيكتور باسيلي، بالمسلة، باب شرق، بوسط الإسكندرية، هو قصر تيمفاكو الأثري، المسجل كأثر من آثار مصر الإسلامية بالقرار رقم 538 لسنة 1996، إلا أن بعض من رجال الأعمال، تقدموا للقضاء بما يثبت ملكيتهم للقصر، واستطاعوا أن يتحصلوا على حكم بطرد الأتيليه، من القصر الأثري، وقريبا يتم تنفيذ الحكم!
سيتم تنفيذ الحكم أمام كل مسئولي البلاد، دون أي تدخل منهم، رغم إطلاق العديد والعديد من الاستغاثات، وحملات جمع التوقيعات، لكل الجهات، تلك التوقيعات التي ضمت وزراء سابقين، ونواب حاليين، وفنانين من مختلف الاتجاهات الفنية، وكتاب، وصحفيين، وشعراء، وغيرهم المئات من المهتمين بالحفاظ على الحالة التنويرية للأتيليه، ولم يتبق إلا قرار حكيم لعقلاء الوطن لسرعة إنقاذ الأتيليه، فلا يعقل أن تُقتل هيباتيا ويمثل بها ونراها تتحول لجثة هامدة ونحن في عام 2022! أنني أناشد كل المصريين، بسرعة إنقاذ أتيليه الإسكندرية، قبل إعادة قتل هيباتيا السكندرية مرة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.