مي وائل يكتب | الفتاة غصن رقيق جذعه الأب

0 356

قرأت الكثير من المقالات عن الأم وأنها الركن العاطفي والحنان الذي تلقي عليه رأسك وتشكو إليه همومك ومتاعبك. اسمحوا لي أن أحدثكم عن الأب في حياة أبنائه وبناته، عن الرجل الذي لا يوجد أحد مثله ولا شخص يعوض غيابه.
تختلف قصص الأباء الذين مروا بحياة بناتهن ولكل منهم قصة، هناك من يطيب ذكره في كل موقف، وهناك من يمر كعابر سبيل، تختلف طرق التربية من أب وأخر.
لو تحدثنا عن الأب فهو الأمان بعد الرب، وأكبر شعور للأمان للبنت هو عندما ترى حذاء أبيها أمام باب المنزل. الأب هو الذي يظل منحني طوال عمرة ليقف أبنائه. الأب هو الظهر وهو السند، لذلك فكل بنت تقول لأبيها يا أبي أنت الأمير لأن الأب للبنت هو الرجل المثالي الأول وحبها الأول. الأب يمثل السماء والأرض لكل إنسان. وإن غاب الأب تغيب الشمس ويصبح البيت دون باب، وعندما يذهب يأخذ معه الأمان.
أن تفقد أباك معناه أنك تخسر الجدار الذي تستند إليه، ويجعلك هذا في مهب الريح. إن كل فراق يهون ويحتمل إلا فراق الأب فإنه يكسر الظهر، والألم لا يطاق مهما تظاهرنا بالسلوان والنسيان.
بعد رحيل الأب تحمل المواقف رسالة محتواها “لا مجال للضعف؛ فقد رحل الأعمق حبًا والأصدق قولًا والأكثر حرصًا”.
لا أشعر أنني أعطي وصفًا يليق بمرارة هذا الغياب، وما زلت أتذكر تلك الرجفة التي هزت قاع قلبي حين رأيت أبي ميتًا، لا أحد يملك القدرة على وصف حجم فقد الأب مهما كثر الكلام وتضاعف الأسطر وأبتل الورق دمعًا؛ فقد الأب كسر لا جبر له.
بالنسبة لي فإن أبي ليس شخصًا قد دفن، لكنه عالمًا قد مات. كان بطلي الأول ومن بعدة كل الأمور معارك. وكل مر سيمر إلا مرارة عملية موت الأب، مرت واستقرت.
أحن إلي أبي في كل موقف عصيب مررت به. مع كل شيء يبكيني كطفلة صغيرة أقول: ماذا لو كنت هنا يا أبي؟! كانت كلماتك تخفف أوجاعي مهما كانت كبيرة. أتذكر ابتسامته الجميلة تلك التي كانت بمثابة مخدر للآلام. حقًا افتقده، أتأثر كثيرًا حين اسمع خبر موت أب من أباء هذا العالم، حتى لو لم أعرفه من قبل، لكنني أعرف معنى أن يتحطم عمود البيت، وأعلم كيف ستبدو الأيام سيئة بعد ذلك.
كنت أتعجب، قبل وفاة أبي، من قدر القوة التي أعطاها الله للذين فقدوا آبائهم، كيف يضحكون ويواصلون حياتهم؟ إلى أن جاء دوري، ووُضعت بموقفهم نفسه، واكتشفت الحقيقة التي هزت كياني، وهي أنهم أصبحوا مخدرين من الألم؛ فالضحكة لم تعد من القلب وتعابير الوجة كاذبة لتخفي براكين الاحتراق بالقلب.
إن الحياة دون أب مؤسفة، ولو كان بكاء لبكينا ولكنة أكثر. من يملك أبًا فليحافظ عليه، فوالله إن الاشتياق بعد الممات قاتل. اللهم رحمة تلم قبور الآباء وتجبر كسر الأبناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.