نهاد أبو غوش يكتب | ثورة في فن المقال الصحفي

0 62

خيري منصور، كاتب نحتفي بذكراه العطرة.. من تابع أو عرف صحافة الثمانينات والتسعينات في الأردن، يعلم أن خيري منصور ساهم في إحداث ثورة في فن المقالة الصحفية، وبخاصة العمود الصحفي، ومع أن فنون الكتابة الصحفية لا تزدهر إلا في أجواء الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية، إلا أن إسهامات خيري منصور كانت حاضرة ومهمة وبارزة في تطور الكتابة الصحفية حتى في فترة الأحكام العرفية وقبل التحولات الديمقراطية التي شهدها الأردن بدءا من العام 1989 وتحديدا بعد هبّة نيسان.
شملت إسهامات كاتبنا شكل الكتابة الصحفية ومضمونها وكذلك وظيفتها ورسالتها. فما كان شائعا وسائدا هو نمط الكتابة الإنشائي الذي لا يضيف للقارىء شيئا ذا بال، النمط الذي يكتفي بمدح الحاكم وتبرير قراراته، أو تشويه خصومه وذمهم، أي بلغتنا هذه الأيام : إما التسحيج وإما الردح والشتائم، وتفسير المواقف الرسمية وتبسيطها أو شرحها واختراع مدلولات وابعاد ربما لم تخطر على بال قائلها. في مقابل ذلك قدم خيري منصور نمطا للكتابة التحليلية التي تفيد القارىء وتمده بقدر كبير من المعلومات، والبناء للمنطقي للمقالة، واللغة الراقية السلسة، ثم تحفّز ذهن القارىء على اتجاهات جديدة للتفكير.
كما تميزت كتابات المرحوم خيري بغزارتها، وهو بذلك خالف المشكلة الأزلية لمعظم الكتاب، وخاصة كتاب المقالة أو العمود اليومي وهي مشكلة ما الذي ساكتبه اليوم؟ أي مشكلة استنزاف واستهلاك الكاتب الذي يريد الحفاظ على سوية عالية، ومن المؤكد أن ثقافة خيري منصور العميقة، ورؤيته للحياة ساعدته في اختيار مواضيعه اليومية بسهولة فائقة، وكان قادرا كل يوم على تقديم ما هو جديد وما هو جذاب وشيق.
وفي كل كتاباته، كما في سائر أعماله النقدية والإبداعية، ظل الراحل خيري منصور مشدودا لقضيته الأم، قضية العرب المركزية فلسطين، كما كان منحازا للإنسان العربي وحريته وكرامته، كان وطنيا وتقدميا وديمقراطيا لم تغره المناصب، ولم يخش السير في حقول الألغام، فكان من رواد ومؤسسي هذه المدرسة المميزة في الكتابة الصحفية، المدرسة الراقية فنا وأسلوبا والمنحازة لقيم الإنسانية والحرية.
رحمة الله، والمجد والذكرى الطيبة للكاتب الكبير خيري منصور الذي أثّر في أجيال من الكتاب والصحفيين على امتداد العالم العربي، وسيبقى أثره حاضرا ومؤثرا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.