هاني جرجس عياد يكتب | «العربية» في أفريقيا

0 369

لقد كان للإسلام الدور الأبرز في انتشار اللغة العربية؛ حيث سارت العربية مع الإسلام جنبا إلى جنب، وحلقت معه أينما حل وحيثما ارتحل، كما كان للهجرات العربية لإفريقيا دور في نشر اللغة العربية، كذلك كان للتجار وللطرق الصوفية وللدعاة وللمعلمين جهود صادقة في نشر الإسلام واللغة العربية في إفريقيا.
ولم يتوقف الأمر عند إلمام مسلمي إفريقيا باللغة العربية على القيام بالشعائر الدينية، أو إتقان بعضهم لقواعد العربية وعلومها، بل انتشرت العربية في كثير من الأقطار الإفريقية، حتى إنها استخدمت كلغة تواصل مشتركة بين القوميات المختلفة القاطنة في هذه الدول، كما استخدمت كلغة للتعليم وللثقافة وللأدب، وظهرت الكتب والمصنفات التي وضعها كثير من العلماء الأفارقة المسلمين باللغة العربية في شتى مجالات العلم؛ وخاصة العلوم اللغوية والشرعية، كذلك دونت عشرات من اللغات الإفريقية بالحرف العربي، بل والأكثر من ذلك أن العربية استخدمت كلغة للإدارة والحكم في كثير من الدول الإفريقية، فوُضِعت بها المراسيم، وصيغت بها القوانين، وصارت لغة المراسلات والمكاتبات الحكومية.
غير أن اللغة العربية شهدت تراجعا ملحوظا على الصعيد الإفريقي؛ وخاصة في أعقاب قدوم الاستعمار الأوروبي للأراضي الإفريقية، وما صاحبه من فرض ونشر للغات المستعمر، ومحاربة لنفوذ وتفوق وانتشار العربية على الساحة الإفريقية، فتوقف الامتداد الكبير الذي حققته العربية خلال عصور التفوق الحضاري الإسلامي، وبدأ انحسار وتراجع اللغة العربية أمام تقدم اللغات الأوروبية.
ورغم ما تعرضت له اللغة العربية من تحديات ومعوقات منذ قدوم الاستعمار الأوروبي لإفريقيا، وفقدانها لكثير من الإنجازات التي حققتها فيما مضى، إلا أن حضورها في القارة الإفريقية -جنوب الصحراء- لا زال مشهودا وإن تفاوت من منطقة لأخرى.
فما زالت اللغة العربية والثقافة الإسلامية تتمتعان بحضور قوي في بلدان شرق وغرب إفريقيا، أما في وسط إفريقيا فباستثناء تشاد وشمال الكاميرون؛ لا نكاد نجد للغة القرآن الكريم أثرا كبيرا.
وفي دول جنوب إفريقيا يصل حضور اللغة العربية لأقل معدلاته في دول القارة الإفريقية تقريبا، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الإسلام يمثل دين الأقلية في هذه البلدان، ونحن نعلم أن خريطة الإسلام تكاد تطابق خريطة انتشار اللغة والثقافة العربية في إفريقيا.
ولكي تضع اللغة العربية لنفسها قدماً ثابتة في أفريقيا وتقوّي الصلة بها فيجب أن توظّف نفسها في فروع المعرفة المعاصرة، واستغلال الفرص التي يتيحها عصر العولمة من خلال تكثيف التواصل بين الثقافات، وسرعة نشر المعلومات، وشيوع الوسائل التكنولوجية، بالإضافة إلى دعم اللغات الأفريقية القريبة من العربية، كالسواحلية، والهوسا، والصومالية، وتقديم العربية إلى أفريقيا في صورتها المستوعبة للوعاء الحضاري، والاستثمار الحقيقي في وسائل التواصل الرقمي بالعربية في أفريقيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.