هشام الشاوي يكتب | دراما أسامة أنور عكاشة

0 160

لم يكن أسامة أنور عكاشة كاتب مسلسلات لتسلية ربات البيوت، ولم يكن شاعرًا شعبيًا مهمته حكاية الحواديت، بل كان مفكرًا صاحب مشروع فكري قومي قضى عمره كله لإنجازه، وحاول تحقيقه بأكثر من طريقة حتى استقر على الدراما التليفزيونية عندما تأكد من جماهيريتها وقدرتها الفائقة علي الوصول للناس.
“بسبب رغبته في الانفتاح على مساحة أوسع من الناس وجد في الدراما التلفزيونية الكثير من عناصر التعويض عن صورة الأديب التي تمناها لنفسه… صورة فيها الكثير من عناصر الإغراء، فالناس كانت لا تزال في ذلك الزمان تنظر بوقار إلى طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وتتابع “شغب” يوسف إدريس في مقالاته بالأهرام، وتعتقد في الكثير من المقولات التي يدفعها لويس عوض إلى حقل الحياة اليومية مثل كاهن لا يكف عن صناعة الأساطير.
نموذج محفوظ كان يؤرق عكاشة أكثر من كل تلك النماذج الراسخة، فأسامة كان مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد وإبراهيم اصلان وغالبية كتاب الستينيات المسحورين بصاحب (زقاق المدق) وبقدرته على التحاور مع نصوصهم والاستفادة منها وتطوير كتاباته لتسبقهم جميعا في قدرتها على مراجعة ما جرى من تحولات. في تلك السنوات كان محفوظ انتهى من كتابة روائعه الفلسفية التي بدأت بـ (أولاد حارتنا) وتواصلت مع (ثرثرة فوق النيل) و(الشحاذ) و(الطريق) و(السراب)، وكان الأسبق فيها لمناقشة تناقضات التجربة الإنسانية وتساؤلاتها الكبرى، كما كان بخلاف الستينيين غير مغرم بما أنجزته التجربة الناصرية وقادر على إدراك تناقضاتها، كما عبر عن ذلك في (ميرامار)، وفي نفس الوقت لا يزال مشدودا بالحنين إلى “زمنه الوفدي” ومنسجم أكثر مع ما أنجزته “ليبراليته المنقوصة” التي انحاز لها في (السمان والخريف) كاشفا عن نقطة للمفارقة بينه وبين مريديه من الكتاب الجدد، لكنه في المقابل كان لا يمل من كسب أنصار جدد في السينما التي كان جمهورها قد منح لمحفوظ سلطة “الكاتب الجماهيري”.
هذه السلطة السحرية كانت أكثر ما أغرى عكاشة في مهنته الجديدة، ووجد بفضل نموذج “محفوظ” الكثير من العزاء …لكنه لم يكن يعلم أن موهبته ستقوده إلى ابتكار زمنه الخاص”. في عام النكسة، صدرت مجموعته القصصية الأولى ” خارج الدنيا” عن المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وقد نشر أسامة قصته القصيرة: “خارج الدنيا” في العدد التاسع من مجلة “القصة” القاهرية، في سبتمبر 1964م، بعد فوزها بالجائزة الثانية لنادي القصة، وفي نفس العدد نشر إبراهيم أصلان وإبراهيم فتحي.
كان عكاشة يتصور أن المجموعة القصصية “ستقله بصدورها خارج الدنيا الضيقة إلى رحاب الدائرة الأدبية الأوسع”، بتعبير سمير الجمل، ولم يكتب أي أحد عن النسخ المهداة من الكاتب الشاب آنذاك، فانتابته مشاعر الإحباط حينئذ، ثم فوجئ باتصال هاتفي من الأديب سليمان فياض – ودون سابق معرفة بينهما-، طالبا منه الإذن بتحويل قصة من المجموعة القصصية إلى تمثيلية تلفزيونية.. كتب عنها الكثيرون، وشاهدها الملايين، بعد ذلك، قدم كرم النجار قصة أخرى من المجموعة في سهرة تلفزيونية. لكن البداية التلفزيونية الحقيقية، كانت بعد عودة أسامة من الكويت، حيث عاد محبطا من رحلة البحث عن لقمة العيش، واكتشف أن الأصدقاء تفرقوا بعد النكسة، “في ذلك الزمن الذي أسماه غالي شكري بزمن “الثورة المضادة” والانقلاب الكبير على المكاسب الاجتماعية للناصرية، كانت مصر قد بدأت تعرف معاناة الانفتاح الاقتصادي، الذي أسماه الراحل أحمد بهاء الدين “انفتاح السداح مداح”، وتتحسر النخبة على انقلاب سلم القيم الاجتماعية. كان أسامة أنور عكاشة يهيئ نفسه للرحيل من أرض الأدب إلى الدراما التلفزيونية وقادته المصادفة وحدها إلى اللحظة التي غيرت من مصيره”؛ حين التقى صديقه وزميل الدراسة المخرج فخر الدين صلاح، العائد لتوه من ليبيا، وطلب منه هذا الأخير الكتابة للتلفزيون، فأدهشه ذلك. بعد أيام، قدم له فخر الدين حفنة من النصوص التلفزيونية على سبيل الاستئناس، فوجد أسامة نفسه غارقا في مصطلحات وتعبيرات غامضة بالنسبة إليه، ثم استوقفته سهرة تلفزيونية تحمل اسم إحسان عبد القدوس، وكان كاتب السيناريو محفوظ عبد الرحمن، الذي كان عكاشة يعرفه كأديب وقاص، وهذا ما شجعه على خوض التجربة، فأنجز سباعية “الإنسان والحقيقة”، ثم كتب مسلسل “الحصار” في عام 1977م، وفي العام التالي كتب مسلسل “المشربية”، وبدأ اسم عكاشة يتردد على الشاشة الصغيرة، وبدأت أعماله تثير انتباه المثقفين، إلى أن ظهر مسلسل “أبواب المدينة” كأول عمل كبير في جزئيين، لكن النجاح الجماهيري الكبير تحقق مع مسلسل “الشهد والدموع”، حيث بلغ التكريم، بتعبير د. عبد القط القط، حد “المهرجان الإعلامي”، الذي تخرج فيه كاميرا التليفزيون إلى الشارع لتستطلع رأي الناس في ذلك العمل.
“وانتبه الكثيرون إلى قيمة الدراما التلفزيونية المكتوبة في قالب أدبي”، وانفتحت شهية أسامة للكتابة الدرامية، وبدأ مرحلة التجديد والتنويع، فأبدع الكثير من الروايات التلفزيونية، التي صارت من كلاسيكيات الدراما العربية.
“عندما اتجه للدراما التليفزيونية كان يعتبر ذلك جزءا من مشروعه الأدبي، لأنه يعتبر هذه الدراما أدبا مثل الدراما المسرحية. وأذكر أنه في أحد حواراتنا المتصلة حكي لي أنه توقف عن كتابة القصص والروايات في بداياته وقال لنفسه: كيف يكون هناك كاتب بلا قارئ؟
كان عليه أن يبحث عن حل للمعادلة، ووجده في الدراما التلفزيونية، فقرر أن يتفرغ لها، ودارت مساجلات كثيرة حول توقفه عن الأدب بينه وبين عدد من أصدقائه الأدباء الذين بدأوا معه أو سبقوه، لكنه أصر على اختياره قائلا لهم إن انتشار الأدب في مصر محدود جدا، والأدباء في حقيقة الأمر يقرأون لبعضهم البعض ماعدا بعض الاستثناءات التي لم تحقق بدورها الشهرة إلا بعد أن قدمت أعمالها في السينما. بل إنه طلب من أصدقائه الأدباء أن يكتبوا الدراما لإيمانه بأن كُتاب القصة في مصر أكثر من قرائها، وضرب لهم مثلا بنجيب محفوظ الذي كتب أربعين سيناريو للسينما “.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.