وائل لطفي يكتب | حاجتنا لثورة ثقافية

0 214

كل جسد لابد له من روح، وكل آلة لابد لها من نظام تشغيل، كل كمبيوتر لابد له من (سوفت وير). كذلك كل تجربة نهضة، لابد لها من “ثورة ثقافية” هذه الثورة دورها تغيير المفاهيم القديمة التي أدت إلى الركود والبلادة والفشل، وزرع مفاهيم جديدة عكسية، هذه الثورة قد تسمي (بناء الوعي) أو (الإصلاح الاجتماعي) أو (تغيير المفاهيم)، سمها ما شئت، لكن لابد أن تؤمن أنها ضرورية جدًا، وبدونها لن نخطو كثيرًا للإمام.
ما فائدة أن تبني أحدث مصنع في العالم، وتأتي فيه بعمال لا يحترمون قيمة العمل؟ أو يتأخرون على مواعيدهم؟ أو يؤمنون أن مرتباتهم حق لهم بغض النظر عن الإنتاج، في الحقيقة لا شيء. إذن أنت مع بناء المصنع، تحتاج أن تبني للناس وعيًا جديدًا بقيم مثل العمل، والإنتاج، ودور الانسان على الأرض، ولماذا خلقه الله فيها، هل ليعمل ويعمر الأرض؟ أم ليتواكل؟ الأمر نفسه بالنسبة لنظرة المواطن نفسه للعالم. هل علاقتنا بالعالم هي علاقة منافسة؟ أم علاقة صراع؟ لو علاقتنا به علاقة منافسة فسنعمل وننتج ونزيد صادراتنا، حتى نجد لنا مكانًا على خريطة الاقتصاد العالمي، وسننتج أيضًا فنونًا وآدابا، كل ما يسهم في إثراء الحضارة. الأمر يختلف تمامًا لو أن المواطن يعتقد أن علاقتنا علاقة صراع. وقتها سيستمع لخطبة الشيخ المتطرف الذي يقول له إن علينا أن نغزو الآخرين، وأن نحصل على نسائهم كسبايا، ونبيعهم في السوق كجواري، وإن هذه هي أفضل طريقة لإصلاح الاقتصاد المسلمين! هذه ليست نكتة، ولكنها جزء من خطبة حقيقة لواعظ كان شهيرًا، والمقطع موجود على يوتيوب.
من الأمثلة الفارقة في هذا المجال مثلًا قضية الزيادة السكانية، العلم والعقل والمنطق يقولون إن علي كل مصري أن يبدأ في تنظيم النسل حالًا، وإن الزيادة السكانية خلال الأعوام الخمسين الماضية، كانت ومازالت تلتهم كل معدلات النمو، بدون وعي المواطن بهذا، لن نستطيع أن نخطو كثيرًا للأمام، المشكلة أن كل فصائل الإسلام السياسي منذ نصف قرن تهدم هذا الوعي، وتبني وعيًا مضادًا له، وتخدع المواطن بحديث أو اثنين كانا خاصين بالزمن الذي قيلا فيه، فتقول له مثلًا نص حديث يقول (تكاثروا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، هي لا تقول له أن الرسول (ص) قال هذا الحديث وعدد المسلمين لا يتجاوز المئات! وإن الوضع لابد أن يختلف وعدد المسلمين مليار ونصف. أو أن المباهاة بين الأمم الأن أصبحت بالقوة والانجاز الاقتصادي وليس بالعدد. إذن أنت لديك فصائل وتيارات تم تمكينها من المجتمع منذ ٤٥عامًا كاملة، وهي تبني وعيًا مضادًا للوعي الوطني، وهي تفعل هذا رغم ادعاء فصائل منها أنها تعمل تحت مظلة الدولة، أو أنها قوي “إصلاحية”، أو أنها ضد العنف، لكنها كانت تمارس تخريبًا من نوع خاص يمكن وصفه بالتخريب “الناعم”.
مثال آخر ليس له علاقة بالوعي الزائف الذي بناه تجار الإسلام السياسي. منذ يومين اثنين كنت في منطقة وسط البلد أو القاهرة الخديوية، لفت نظري التطوير الذي تم في المنطقة، كان الوقت متأخرًا، والشوارع هادئة والإضاءة جميلة. وجدت مقهى صغيرًا يطل على الشارع، فأوقفت سيارتي وقررت أن أجلس بضع دقائق. كان الشارع نظيفا بشكل يدعو للفخر. بعد دقائق جاء عامل المقهى وجمع العبوات المعدنية الفارغة للمياه الغازية وألقاها أمام المقهى مباشرة، بعد دقائق جمع الفارغ من مائدة ثانية وألقاها في الشارع أيضًا. سألته: “لماذا تلقي القمامة في الشارع؟”. قال لي: “عامل النظافة سيأتي ويأخذهم”!! هذا مواطن عشوائي بكل معني الكلمة، يُلقي القمامة في شارع نظيف رغم أن لديه سلة قمامة في المقهى. هذا التصرف البسيط يكشف عن طبقات متراكمة من التخلف وسوء التربية، وعدم الوعي، والعداء الخفي للدولة، والاستهانة بجهود التطوير، والإحساس بأن ما يحدث لا يخصه… كل هذه طبقات من السموم تم زرعها على مدي سنوات، ولابد لمواجهتها من “ثورة ثقافية”… التفاصيل في المقال القادم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.