وليد عتلم يكتب | المجتمع المدني في مصر.. صياغة جديدة

0 334

أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أنّ عام 2022 هو عام المجتمع المدني في ظلّ إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ويعد هذا الإعلان بمثابة انحيازا من الدولة واعترافا منها بالدور المهم الذى تلعبه منظمات المجتمع المدنى، وتهيئة المناخ لعلاقة أكثر تكاملاً مع الدولة التي أكّدت على أهمية شراكة الدولة مع المجتمع المدني في أكثر من مقاربة.
بداية؛ يجب الإقرار أن العلاقة ما بين المجتمع المدني والدولة شابها الكثير من التوتر الذي بلغ حد التنافس في فترة من الفترات، خاصة ما بعد يناير 2011، في ظل تداخل الأدوار وغلبة الطابع السياسي على عمل المنظمات التي مارست دوراً سياسياً بالأساس تجاوزت في ذلك الأحزاب السياسية نفسها، كما أن العديد منها كان واجهةً للجماعة المحظورة وقناة للتمويل الخارجي، كما عملت الجماعة على استغلالها للسيطرة على ملف حقوق الإنسان، وإثارته من حين لأخر على غير حقيقته وواقعه في مصر. حيث تعمل المنظمات التي تحت عباءة الجماعة، ومن خلال بيانات وتقارير حقوقية مكذوبة عن واقع الأوضاع في مصر، يعقبها إدانات دولية أو تحذيرات، ثم تشرع بعدها بحملة تشويه إعلامي ممنهجة، تدفع فيها الميديا والمنظمات الإخوانية التى كعادتها على إبراز واجهة كاذبة وأقنعة زائفة.
الوجه الثاني؛ تمثل في استغلال الجماعة للعمل الأهلي واستغلال الحاجات الإنسانية والإجتماعية في القرى والمناطق الأكثر فقراً في أداء أحد أبرز وظائف المجتمع المدني المتمثلة في تشكيل الوعي والتجنيد وتجميع المصالح، لكن هنا كانت التعبئة لصالح أهداف الجماعة وخدمة لمصالحها وتزييف وتشكيل لوعي زائف لدى الشباب استغلالاً للحاجة على حساب الوطن.
هذه العشـوائية في دور المجتمـع المدنـي فـي مصـر وعـدم اكتمـال بنائـه وترسـخه، أضرت الوطن بسـلبياته أكثـر مـن التمتـع بإيجابياتـه، خاصة دوره في تنمية المجتمع وتحسين الأوضاع الاقتصادية للأفراد، والتكامل مع الدولة في دفـع عجلـة البناء المجتمعـي، لذلك كان من الأهمية بمكان إعادة صياغة واقع المجتمع المدني في مصر في ضوء المحددات الجديدة لدولة ما بعد يونيو 2013، عبر مقاربات عدة على النحو التالي:
المقاربة الأولى: والتوجه الأول من الدولة كان الدعوة التي وجهها الرئيس السيسي علي هامش فاعليات منتدى شباب العالم بشرم الشيخ في أوائل نوفمبر 2018 إلى الحكومة المصرية-في حينه- بتعديل قانون الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني، لتثمر تلك الدعوة عن قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي الذي أقره مجلس النواب في 15 يوليه 2019 ليحل محل القانون رقم 70 لسنة 2017، الذى كان قد أثار الكثير من الانتقادات، نظرًا لما عكسته فلسفته العامة من توجه واضح لتشديد القيود على عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر، والذي ارتبط صدوره بسياق سياسي مرتبك يحدده فيما يخص التعامل مع الجمعيات والمؤسسات الأهلية، قضيتان أساسيتان، هما قضية التمويل الأجنبي، وقضية الجمعيات الأهلية ذات العلاقة بالإخوان المسلمين، مما جعله أشد تقييدًا من القانون السابق له (القانون رقم 84 لسنة 2002).

على خلاف ما سبق، جاءت فلسفة القانون الجديد (القانون رقم 149 لسنة 2019) لتعكس تبني الدولة فلسفة تقوم على تشجيع تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية، والاتحادات والمنظمات الإقليمية والأجنبية غير الحكومية المصرح لها بالعمل في مصر، وتعزيز دورها في خدمة الصالح العام، وهي فلسفة تتمثل بالأساس في تخفيف القانون للقيود على تأسيس الجمعيات التي كانت بالقانون السابق لعام 2017، ومنها السماح بتأسيس الجمعيات الأهلية بمجرد الإخطار، والسماح للأجانب بعضوية الجمعيات الأهلية المصرية بنسبة 25% من مجموع أعضائها، وإيجاد إطار مؤسسي أفضل لتنظيم عملها في مصر، فضلاً عن إجازته للجاليات الأجنبية إنشاء جمعية تعني بشئون أعضائها، وإعادة الاختصاص بالرقابة على الجمعيات لأجهزة الوزارة، وإلغاء عقوبة الحبس والعقوبات السالبة للحريات عند مخالفة أحكامه والاكتفاء بالغرامات المالية، كما حظر القانون لتوقيع أية عقوبات سالبة للحرية في حالة مخالفة أي حكم من أحكامه، وهو ما أقرته وأكدت عليه الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان .
كما أن القانون عالج أبرز إشكاليات المجتمع المدني عموماً والمتعلقة بالتمويل الأجنبي؛ حيث سمح القانون بالحصول على التمويل الأجنبي بشرط إخطار السلطات وعدم انتهاك المنظمة أيًا من القوانين القائمة.
أما حل الجمعيات الأهلية، فلا يتم وفقًا للقانون 149 إلا بموجب حكم قضائي، ولا ينفذ قبل صدوره. حتى فيما اعتبره القانون مخالفات تستوجب وقف النشاط، ألزم القانون الجهة الإدارية بعرض الأمر على القضاء خلال أسبوع وإلا يسقط من تلقاء نفسه. ويتم وقف نشاط الجمعية بقرار مؤقت يصدر عن الوزير المختص لمدة لا تتجاوز سنة في حال مخالفة بيانات التأسيس، وممارسة أنشطة غير الواردة في النظام الأساسي للجمعية، أو لم يتم التصريح بممارساتها، أو مخالفة بعض أحكام قانون العقوبات ذات الصلة.. وينتهى الأثر القانوني للقرار إذا لم تطلب الجهة الإدارية من المحكمة المختصة بتأييد قرارها خلال سبعة أيام عمل من تاريخ صدوره.

المقاربة الثانية: تعديل قانون تنظيم العمل الأهلي 149 لسنة 2019 بما يسمح بتمديد مهلة توفيق الأوضاع للجمعيات الأهلية لمدة عام آخر، ليعكس هذا القرار قوة العلاقة التي باتت تجمع الدولة والمجتمع المدني بعد مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي بتجاوز قانون الجمعيات السابق، ومشاركة الجمعيات الأهلية والمنظمات الأجنبية العاملة في مصر في وضع القانون الحالي. بناء على ذلك أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي أن نحو 32 ألف جمعية ومؤسسة أهلية قد انتهوا من إجراءات التسجيل الإلكتروني لتوفيق أوضاعهم، منهم 28 ألف طلب كامل المستندات، مع توقُّع أن مد فترة توفيق الأوضاع سيفتح المجال أمام تسجيل المزيد من منظمات المجتمع المدني الناشئة والتي تتميز بمشاركة شبابية واسعة.
المقاربة الثالثة: سعي الدولة بنفسها لتكامل العلاقة مع منظمات المجتمع المدني في ضوء الخطة العامة للتنمية، فكان ناتج تلك العلاقة أحد أكبر منظمات المجتمع المدني ذات الأهداف التنموية ممثلة في “حياة كريمة” والتي تتلاقى فيها جهود الدولة مع المجتمع المدني وكذلك القطاع الخاص في شراكة مميزة لصالح أهداف التنمية المجتمعية من ناحية، وتملأ ثغرة الاحتياجات المجتمعية التي تستغلها الجماعات المتطرفة من ناحية أخرى.
المقاربة الرابعة: تتعلق بالإدراك والصورة النمطية لدى المنظمات وخصوصية الحالة المصرية والاختلاف على طبيعة الدور؛ وهي إشكالية جدلية لكنها مفصلية، دائماً ما يتم القياس من الخارج والتقييم في ظل مؤشرات المجتمعات الغربية دون مراعاة لخصوصية الحالة والواقع المصري، الوظائف الأساسية للمجتمع المدني الغربي ذات صبغة سياسية في المقام الأول، تتمثل في تجميع المصالح، والتركيز علي الثقافة الديمقراطية والحقوقية. ورغم ذلك فهناك العديد من المنظمات الفاعلة في هذا السياق خاصة فيما يتعلق بوظيفة تجميع المصالح حيث تنشط النقابات المهنية في هذا الإطارــــــــ وهي أبرز منظمات المجتمع المدني وفق التصنيف العلمي ــــــــــ وهي نقابات تتمتع بالاستقلالية تامة في مجالات عملها فيما يتعلق بالتحديات الرئيسية التي تواجه أعضاءها.
المقاربة الخامسة: مبادرات الدولة والقيادة السياسية تجاه المجتمع المدني؛ تدحض على نحواً قاطع وتنفي المزاعم الغربية المكررة بتضييق الخناق على عمل منظمات المجتمع المدني في مصر ، وليس أدل من ذلك تطور أعداد المنظمات العاملة، حيـث شـهدت السـنوات الأربع الماضيـة، إشـهار نحـو 10020 جمعيـة، حيـث كانـت أعـداد الجمعيـات عـام 2017 نحـو 580,47 جمعيـة مقارنـة بــ 600,57 جمعيـة عـام 2021 في مقابل 214,30 جمعيـة فـي عـام 2010، هـذه الزيـادة تشـير بدورهـا إلـى عدم وجود قيود على النحو المزعوم، وأن ما حدث هو تنظيم وصياغة جديدة لإطار المجتمع المدني في مصر، والفارق كبير ما بين التضييق والتنظيم.
لا شك أننا في حاجة ماسة إلى مجتمع مدني فاعل، يسهم في الحراك المجتمعي، والفكري والثقافي، بما يعين الدولة في بسط القضايا والمشكلات من خلال الحوار والنقاش، والنقد البنَّاء الذي يهدف إلى المصلحة العامة في المقام الأول. لكن في المقابل هناك مسئولية واقعة على المنظمات ومسئوليها، والكرة الان في ملعب منظمات المجتمع المدني بعد أن منحت القيادة السياسية كل الدعم والمساندة لوضع آفاق أرحب للجتمع المدني وتوسيع صلاحياته ونطاق أنشطته لتتكامل مع أهداف الدولة الإنمائية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.