وليد عتلم يكتب | تطوير التعليم بين المدركات والقناعات

0

مع انتهاء امتحانات الفصل الدراسي الأول؛ طالعتنا المواقع والأخبار بواقعة هجوم أولياء الأمور على إحدى المعلمات الفضليات بمركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية، والتي رفضت السماح بالغش الجماعي، وخرجت في حراسة الشرطة وسط تجمهر أولياء الأمور !!!

هذه الواقعة على هذا النحو تعكس تساؤلاً هاماً حول المدركات الخاصة بتطوير التعليم المصري من ناحية، والقناعات السائدة لدى العموم تجاه التعليم من ناحية أخرى.

كذلك تثير تلك الواقعة عديد التساؤلات حول مدى فاعلية العملية التسويقية التي قامت بها الحكومة ووزارة التربية والتعليم في الترويج لبرامج تطوير التعليم منذ عام 2019 على النحو الأمثل؟؟.

رغم التحديات الكبيرة التي تجابه عملية تطوير وتحديث التعليم، وعلى رأسها نقص أعداد المعلمين، وكثافة الفصول، وبالنسبة لقضية العجز في أعداد المعلمين، وكثافة الفصول، فهي قضايا تنجح معها الحلول الإدارية السريعة، عالجتها القيادة السياسية من خلال حل مثالي وجذري للمشكلة التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة خروج آلاف الكفاءات الفنية من المعلمين والموظفين على المعاش، وذلك عبر القرار الذي اتخذته القيادة السياسية بتعيين 150 ألف معلم خلال 5 سنوات، بواقع 30 ألف معلم سنوياً، وتدبير الاعتمادات المالية اللازمة اعتباراً من يوليو لهذا الغرض2022.

فيما يتعلق بقضية كثافة الفصول؛ ومن خلال مبادرة “حياة كريمة” يتم إضافة فصل جديدة بهدف استيعاب الكثافات؛ حيث يقدر عدد المشروعات المدرجة بالمبادرة من حيث الإنشاء بـ 1113 مشروعا لتوفير عدد 15 ألف فصل، وبالنسبة لعدد مشروعات التطوير ورفع الكفاءة تقدر بعدد 1293 مشروعا بنسبة تمثل حوالى 25% من المدارس القائمة؛ لخفض معدلات كثافة الفصول، وإنهاء مشكلات تعدد الفترات الدراسية، وخدمة المناطق المحرومة من الخدمات التعليمية، وزيادة نسبة استيعاب رياض الأطفال، وتجديد المدارس غير الصالحة.

يبقى التحدي الأبرز والأهم هو المدركات السلبية المتعلقة بعملية التطوير نفسها، في مواجهة قناعات سلبية متجذرة في وجدان المجتمع تجاه التعليم بشكل عام. فاختزال مشاكل التعليم المصري في التمويل وبناء المدارس، كما يحاول أن يظهره البعض، أتصور أنه تحليلاً مخل، خاصة في ظل جهود الدولة سابقة الذكر في هذا السياق.

يجب الإقرار بأن هناك حالة من عدم الثقة في المناهج الجديدة وعملية التطوير برمتها، فأي عملية تغيير وتطوير دائمًا ما تشهد حالة من المقاومة بل والرفض من كثير من الأحيان، يتضح ذلك من خلال الاعتراضات الكبيرة التي شهدناها على مناهج الصف الرابع الابتدائي على سبيل المثال، الرفض والمقاومة كان أيضاً من داخل الهيئة التعليمية.

يجب الاعتراف أيضًا بأن هناك قناعات سلبية لدى نسبة ليست بالقليلة من المجتمع بأولوية التعليم من الأساس، فالتعليم من وجهة نظر البعض لا يزال مجرد شهادة في فصل وغياب تام بين مفاهيم التعليم، العلم، والتعلم. بالطبع قد لا يهتم البعض بالتعليم في ظل الحاجات الإجتماعية والإقتصادية، لكن أيضاً الأبناء بالنسبة للبعض الأخر هم مصدر للرزق بغض النظر عن التعليم، وهو ما تفسره معدلات التسرب من المراحل التعليمية المختلفة، وعمالة الأطفال خاصة في المناطق الريفية.

ظاهرة الدروس الخصوصية هي الأخرى انعكاس لتلك القناعات السلبية لدي المجتمع تجاه التعليم ونموذجاً مجسداً لها، وهي ظاهرة أفسدت كل من المعلم والتلميذ والمدرسة، وتعكس أيضاً التناقض الكبير لدى الأسر المصرية، فأصبحت الأولوية لكل من المعلم، والتلميذ وولي الأمر الدرس الخاص، أو ما يطلق عليها ظاهرة “السناتر” ما أدى إلى تراجع دور المدرسة تربوياً وعلمياً، وفي المقابل فإن ولي الأمر الذي يضج ويشكو ليلاً ونهاراً من نار الدروس الخصوصية، هو نفسه الذي يندفع إليها.

أتصور أن برنامج تطوير التعليم المصري كان في حاجة لحملة ترويجية دعائية على شاكلة الحملات التي نفذتها وزارة المالية في سعيها لإصلاح النظام الضريبي المصري، حملة تمولها المدارس والجامعات الخاصة بإشراف وزارة التربية والتعليم. من خلال برنامج دعائي واضح المعلم يستهدف القطاعات المختلفة من المجتمع بصياغات تفهمها تركز على نقاط مفصلية في عملية التطوير.
هنا نعود إلى إشكالية التسويق السياسي للسياسات العامة في مصر، وتطوير التعليم أحد أهم السياسات العامة، لذلك كانت الضرورة والحاجة ماسة لتسويق جيد لبرامج التطوير على النحو الذي يصنع قاعدة تأييد واسعة لتلك البرامج والسياسات.

حيث تغيير القناعات يؤدي بالضرورة إلى تغيير المدركات، وهي أولى الخطوات الايجابية لبناء وتشكيل قاعدة شعبية واسعة النطاق لتأييد برامج الإصلاح والتطوير والتحديث. فالأولوية لتطوير العقول وتصحيح المفاهيم قبل المدارس والفصول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.