أحمد أمين منصور يكتب | مصر وملف الطاقة

0

تعد قضية تحول مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة حجر زاوية في الاستراتيجية الوطنية للدولة المصرية خلال العقد الأخير. بفضل الموقع الجغرافي الاستراتيجي والبنية التحتية المتطورة، خطت مصر خطوات واسعة لتكون الرابط الرئيسي بين مصادر الطاقة في شرق المتوسط والأسواق المستهلكة في أوروبا.
​إليك تحليل مفصل لهذه الرؤية من خلال عدة محاور أساسية:
​1. الاكتشافات الغازية الكبرى (حقل ظهر نموذجاً)
​كانت بداية التحول الحقيقي مع اكتشاف حقل ظهر في عام 2015، وهو الأكبر في البحر المتوسط. هذا الاكتشاف لم يحقق فقط الاكتفاء الذاتي لمصر من الغاز الطبيعي بحلول عام 2018، بل سمح لها بالعودة بقوة إلى نادي الدول المصدرة. ساهمت الاكتشافات المتتالية في جذب استثمارات أجنبية ضخمة من كبرى شركات الطاقة العالمية (مثل إيني وشل وبي بي).
​2. البنية التحتية الفريدة (الإسالة والتخزين)
​تمتلك مصر ميزة تنافسية لا تتوفر لأي دولة أخرى في المنطقة، وهي محطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط. هذه المحطات هي “البوابة الوحيدة” حالياً لتحويل الغاز المكتشف في حقول شرق المتوسط (سواء من مصر أو الدول المجاورة) إلى غاز مسال يمكن شحنه عبر السفن إلى أوروبا، مما يجعل مصر حلقة وصل لا غنى عنها.
​3. تأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط”
​في خطوة دبلوماسية وبارعة، بادرت مصر بتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط ومقره القاهرة. تحول هذا المنتدى إلى منظمة دولية معترف بها، تهدف إلى تنسيق السياسات بين الدول الأعضاء (مثل اليونان، قبرص، إيطاليا، وفلسطين) لتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، مما رسخ مكانة مصر كقائد سياسي واقتصادي في ملف الطاقة الإقليمي.
​4. الطموح في قطاع الكهرباء والربط الدولي
​لم يقتصر الطموح المصري على الغاز فقط، بل امتد لقطاع الكهرباء عبر:
​مشروعات الربط الكهربائي: مع السعودية، الأردن، السودان، وليبيا، بالإضافة إلى المشروع الطموح للربط مع اليونان وإيطاليا لتصدير الكهرباء إلى أوروبا.​الفائض في الإنتاج: بفضل محطات “سيمنز” العملاقة وتطوير الشبكات، تحولت مصر من دولة تعاني من عجز في الكهرباء إلى دولة لديها فائض يسمح بالتصدير.
​5. التحول نحو الطاقة الخضراء والهيدروجين
​تستهدف مصر حالياً أن تصبح مركزاً لإنتاج الهيدروجين الأخضر. تم توقيع عشرات الاتفاقيات الإطارية خلال مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، مستغلة في ذلك إمكاناتها الضخمة في الطاقة الشمسية (مجمع بنبان) وطاقة الرياح، لتكون المورد الرئيسي للطاقة النظيفة للمستقبل.
​6. التحديات والفرص المستقبلية
​رغم النجاحات، تظل هناك تحديات تتمثل في التوترات الجيوسياسية في المنطقة والمنافسة من ممرات طاقة بديلة. ومع ذلك، فإن “اتفاقية الممر الأخضر” الموقعة مع الاتحاد الأوروبي تؤكد أن العالم ينظر لمصر كشريك طاقة موثوق به وطويل الأمد، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر إمداداتها بعيداً عن الغاز الروسي.
​الخلاصة:
إن تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة ليس مجرد شعار، بل هو واقع مدعوم بأرقام واتفاقيات دولية وبنية تحتية صلبة. لقد نجحت الدولة في استغلال موقعها كـ “نقطة التقاء” بين ثلاث قارات لتحويل قطاع الطاقة إلى محرك أساسي للنمو الاقتصادي والأمن القومي المصري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.