داليا فكري تكتب |  الأسرة بين مطرقة الواقع وسندان الخيال

0


“من شب على شيء شاب عليه “.. تلك حكمة جدتي وخيالي عن مفهوم الغرس، فأن تغرس مبدأ أو فكرة طيبة أو معنى أصيل في نفس طفل وطفلة هي كأنك استثمرت في بناء أسرة كريمة وودودة وبنيت نشء يعرف قيمة نعمة أن يكون لديك بيت دافيء وحضن آمن يحتويك وسط عائلة متكاتفة وبناءة وهادئة.

وما بين حكمة جدتي وخيالي عنها وجدت نفسي أتخبط بين مطرقة هذا الواقع الذي أعيشه وسندان الخيال الذي عشته منذ نعومة أظفاري، فالواقع أصبح مخزي ومفهوم الأسرة أصبح كلوحة باهتة لا تستطيع قراءة ملامحها فهناك صراعات حول الأدوار ومن يلعب دور رب الأسرة ومن قائد المركب ومن منا هو جندي في معركة كلا طرفيها إذا تحيزت له فأنا خاسر بلا محالة، حرب ضروس اندلعت كانت نتيجتها ضياع ولا عزاء لأحد.

فواقعي يقول أن هناك أكثر من ٧٥٠ حالة طلاق في اليوم الواحد، بينما خيالي كان يحدثني أن الزواج رباط مقدس لابد أن يحترم كلا الطرفين الأخر وأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفق بدون مساندة الأخرى، حتى وإن صفقت وحيدة فلن يكون لها صوت أو صدى أو نغمة رنانة على مسامع الحاضرين، كذلك الأسرة هي نوتة موسيقية تحتاج لكل أفرادها حتى تصبح لحنًا جميلًا يتباهى به وينصت له كل من مر وسمع.

واقعي مليء بوسائل التكنولوجيا الحديثة التي جعلتنا نعزف عن الترابط واللمة فكل فرد في الأسرة الواحدة له عالم افتراضي يعيشه بمعزل عن عالمه الحقيقي، فكيف أطلب من هذا الوحيد المنطوي أن يبني أسرة أو حتى يتفاعل مع قيمتها وهو شب في سجن افتراضي أفقده لذة اللمة ومفهوم العائلة،

واقعي فيه مسلسلات تحدثني عن الطلاق والعنف والكذب والخداع دون خجل وتصدره لي وكأنه العادي السهل والطبيعي وكأن تقبله على نفسي كاحتساء كوب شاي في يوم حار لن يضر ولن يفيد، وعندما وجدت أنا هذا الواقع وقفت حائرة على سندان خيالي ألعنه وأبحث عنه لأحققه كأني أبحث عن إبرة في كومة قش، في واقعي حاولت لعب كل الأدوار حتى أحظي بالحياة التي نسجتها في خيالي، وما كان عليًّ إلا أني حصدت المزيد من الخزي والإخفاق الذي جعلني خائفة من مفهوم الأسرة الذي شببت عليه بعد أن اصطدمت بجدران الواقع الذي انهدم على ظهري.

فما الحل؟!.. هذا ما حدثت به نفسي بعد أن وأدت حكمة جدتي في وعاء فخاري وألقيت به في اليَم ربما يجده جيل آخر في ظروف أخرى تساعد الذي يشب على الخير أن يظل محافظًا على الخير الذي بداخله دون أن تعكره ملوثات الواقع المخزي، ربما يأتي علينا زمن نعود به للخلف ونعيد مفهوم الأسرة واحترامها للوجدان وأن نعترف أن اختلاف الأدوار وتقسيمها هي الوسيلة الوحيدة لنجاة قارب الأسرة من نوّْات الحياة وسرعة رتمها، وأن نتحدث بملء أفواهنا أن لدينا مشكلة تحتاج لوقفة وتحتاج لتكاتف كل مؤسسات الدولة وتسخير كل الإمكانيات التي نحتاجها لأن نعبر بمركب الأسرة إلى بر أمان حقيقي فيه من شب على أن للأسرة قيمة واجب الحفاظ عليها فسمع ولبى وسعى لتحقيق ذلك حتى شَاْبَّ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.