دينا عامر تكتب | مفتاح الاقتصاد الأخضر
في ظل التحديات المناخية العالمية التي تفرض نفسها على الأجندات الاقتصادية لم يعد التحول الأخضر مجرد شعار بيئي بل استحال ضرورة وجودية ومحركا أساسيا لنمو الاقتصادات الناشئةوبينما تمضي الدولة المصرية بخطى ثابتة نحو تحقيق استراتيجية مصر 2030 يبرز الدور المحوري للمشرع المصري في صياغة بيئة قانونية قادرة على تحويل هذه الطموحات إلى واقع استثماري ملموسإن الانتقال إلى الاقتصاد المستدام يتطلب ما هو أبعد من مجرد تبني تقنيات حديثة إنه يتطلب هندسة تشريعية تتسم بالمرونة والاستباقية وتنتقل من عقلية الرقابة القانونية التقليدية إلى عقلية التحفيز الذكي
سد الفجوة بين النص والواقع الاستثماريبالنظر إلى قانون الاستثمار الحالي (رقم 72 لسنة 2017) نجد إشارات واضحة لدعم المشاريع الصديقة للبيئة إلا أن الواقع يتطلب حوافز أكثر تخصصا تخاطب تعقيدات قطاعات مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة وتدوير المخلفاتإن المستثمر اليوم يبحث عن الوضوح التشريعي والاستدامة الإجرائية قبل البحث عن الإعفاء الضريبي المجردويمكننا حصر المرتكزات الأساسية لتطوير المنظومة التشريعية الخضراء في المحاور التالية:ـ الحوافز الضريبية المشروطة بالأثر: بدلا من منح إعفاءات عامة يجب ربط الحوافز الضريبية بحجم الخفض الكربوني الفعلي الذي يحققه المشروعهذا النهج سيخلق تنافسية صحية بين المستثمرين لتبني أحدث الوسائل التكنولوجية لتقليل الانبعاثات
– قوننة معايير (ESG): أصبح إدماج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) ضرورة لجذب صناديق الاستثمار العالميةلذا نحن بحاجة إلى إطار قانوني يلزم الشركات بتقديم تقارير استدامة دورية مع توفير دعم فني وتشريعي للشركات الصغيرة والمتوسطة للامتثال لهذه المعايير
– تفعيل المسار الأخضر للرخصة الذهبية: توسيع نطاق الرخصة الذهبية لتشمل المشاريع الابتكارية في مجال الاقتصاد الدوار مما يقلص الدورة المستندية ويؤكد جدية الدولة في دعم الاستثمارات التي تحافظ على الموارد الطبيعية
روشتة عمل: مقترحات لتعزيز الأثر التشريعيبناء على ما تقدم ومن منطلق الحرص على تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري نضع التوصيات التشريعية التالية أمام لجان الحوار الوطني والجهات المعنية:أولا: استحداث مادة قانونية في قانون الاستثمار تنص على منح (حافز الاستدامة الضريبي) للمشروعات التي تنجح في تدوير مياه الصرف الصناعي أو الاعتماد الكلي على الطاقة النظيفة في عملياتها الإنتاجيةثانيا: إنشاء سوق كربون مصري محكوم بإطار قانوني صارم يسمح للشركات بتداول شهادات الكربون مما يحول الالتزام البيئي من عبء مالي إلى مورد اقتصادي مضافثالثا: إطلاق الدليل التشريعي للاستثمار الأخضر ليكون مرجعا قانونيا موحدا يجمع كافة القوانين واللوائح المنظمة لهذا القطاع بما يضمن الشفافية ويقضي على البيروقراطية القانونيةختاما…إن معركة البناء في الجمهورية الجديدة هي معركة تكامل بين الرؤية السياسية والاحترافية القانونيةإن نجاحنا في تحويل نصوصنا القانونية إلى نصوص جاذبة للاستثمار الأخضر هو الضمانة الحقيقية لتأمين مستقبل الأجيال القادمة ووضع مصر في مكانتها المستحقة كقائد إقليمي للاقتصاد المستدام