د. أحمد البحيري يكتب | الدبلوماسية الثقافية

0

تُمثل الدبلوماسية الثقافية
المصرية أحد الروافد الجوهرية والهامة للسياسة الخارجية للدولة المصرية، حيث
تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والحضارية لتشكل أداة حيوية لتعزيز الحضور الدولي
وتحقيق المصالح الوطنية، ومفهوم الدبلوماسية الثقافية في مصر يتجاوز مجرد تبادل
الفنون أو تنظيم الفعاليات الهامشية، بل يمتد ليصبح استراتيجية متكاملة لتوظيف
“المكون الثقافي” كأصل استراتيجي يهدف إلى بناء جسور التواصل مع
“الآخر” وتدعيم الصورة الذهنية للدولة في النظام العالمي، وتستند هذه
الدبلوماسية على ركيزة صلبة من القوة الناعمة التي تميز مصر عبر العصور، بدءًا من
تراثها الفرعوني القديم وصولاً إلى إنتاجها الفني والأدبي المعاصر، مما جعل من
الثقافة المصرية “سفيراً دولياً” عابراً للحدود.

  إن جوهر القوة الناعمة، كما صاغها “جوزيف
ناي”، يتمثل في القدرة على الإقناع والجذب بدلاً من الإرغام، وهو ما تمتلكه
مصر بوفرة نظراً لعمقها التاريخي وإرثها الفني، فالدبلوماسية الثقافية تعد أداة
مرنة تسمح للدول بتقاسم تعبيراتها الإبداعية، مما يجعلها وسيلة فعالة لتحسين صورة
الدولة وبناء علاقات طويلة الأمد تقوم على الثقة والتقدير المتبادل.

  وتعود أولى الإشارات الموثقة للعمل الدبلوماسي
المصري إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث تكشف النقوش والبرديات عن تبادل
المبعوثين والرسل بين مصر وحضارات الشرق الأدنى القديم، وتعد معاهدة
“قادش” التي أبرمها الملك رمسيس الثاني مع ملك الحيثيين عام 1280 قبل
الميلاد أقدم معاهدة سلام وتوثيق دبلوماسي كامل في العالم، حيث تضمنت بنوداً تتعلق
بعدم الاعتداء، والتحالف الدفاعي، وتسليم اللاجئين السياسيين، هذا العمق التاريخي
يمنح الدبلوماسية الثقافية المصرية المعاصرة “شرعية تاريخية” نادرة، حيث
يُنظر إلى مصر دوماً كمهد للتقاليد الدبلوماسية، وتبلورت الملامح الحديثة
للدبلوماسية المصرية في عهد محمد علي باشا، وتحديداً في عام 1819م، عندما تم تعيين
“بغوص بيك يوسفيان” لإدارة الاتصالات مع الجاليات الأجنبية والقوى
الدولية، تطورت هذه الممارسات لاحقاً مع استقلال القرار المصري جزئياً، وصولاً إلى
معاهدة عام 1936م التي رفعت مستوى التمثيل الدبلوماسي المصري إلى درجة سفير في
العواصم الكبرى، وهو ما مهد الطريق لتوسيع البعثات الدبلوماسية التي يبلغ عددها
حالياً 162 سفارة وقنصلية حول العالم، ويمكن القول أن دائماً ما تساير الدبلوماسية
السياسية المصرية قرينتها وهي” الدبلوماسية الثقافية”.

  والانتقال من “دبلوماسية النقوش والآثار”
إلى “دبلوماسية المؤسسات” يعكس
قدرة الدولة المصرية على التكيف مع المتغيرات الدولية، مع الحفاظ على جوهرها
الثقافي كمحرك أساسي لنفوذها، ومصر لديها مؤسسات دينية ذات طابع عالمي، تلعب دوراً
يتجاوز الحدود الروحية ليصبح جزءاً أصيلاً من الدبلوماسية العامة، خاصة في القارة
الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، سواء دبلوماسية الأزهر الشريف أو الكنيسة المصرية.

  كما تظل الفنون والآداب هي “العملة
الصعبة” في رصيد الدبلوماسية الثقافية المصرية، حيث استطاعت مصر عبر السينما
والموسيقى والأدب تشكيل الوجدان العربي والإقليمي، وتمتلك السينما المصرية تاريخاً
يمتد لأكثر من قرن، وهي لم تكن يوماً مجرد وسيلة ترفيه، بل كانت أداة لنقل القيم
والأفكار وتشكيل الانطباعات عن المجتمع المصري، ولعبت الدراما والسينما الدور
الأكبر في نشر اللهجة المصرية وجعلها اللغة الأكثر فهماً في المنطقة العربية، مما
سهل التواصل الثقافي والاجتماعي، المشاركة في المهرجانات الدولية والتعاون في
الإنتاج المشترك يفتح آفاقاً للحوار الثقافي ويقدم صورة عصرية ومبدعة لمصر.

  وتؤكد الرؤية المصرية على أن استثمار
“عبقرية المكان والإنسان” هو السبيل الوحيد لتحقيق تنمية شاملة، حيث
يتكامل البعد الثقافي مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لضمان “السلام
والأمن المصري” وتعزيز الريادة، ويشمل ذلك الفعاليات الثقافية التي تنظمها
مصر منصات عالمية للتواصل المباشر مع الشعوب والخبراء، لتكون الأداة الأكثر
تأثيراً في السياسة الخارجية للدولة، شريطة الاستمرار في النهج المؤسسي الحديث
وتوظيف الأدوات الرقمية بفاعلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.