د. أحمد عبد الكريم البسيوني يكتب | أكتوبر والعبور الثاني
تتكرر الحكايات، وتتشابه الحبريات، وتتزاحم منصات الكلام مع كل مطلع تشرين، كأن التاريخ شريط
مسجل يعيد نفسه بذات التفاصيل والنبرات. لكن العظمة الحقيقية للعبور الأكبر لم تكن فقط في تكتيكات
العسكرية الكلاسيكية ولا في هندسة السواتر الترابية؛ بل كانت في ”الفلسفة النفسية للتحول الإنساني”
من قاع اليأس المطلق إلى ذروة اليقين المطلق. دعنا نقرأ حرب أكتوبر اليوم من زوايا خارج الصندوق،
زوايا تمس روح الإنسان المعاصر وتلهمنا كيف نُسقِط خط بارليف الخاص بنا كل يوم.
أولاً: فيزياء الصمت.. عندما تكون السكونية أعلى صوتاً من دوي الرصاص
الخطأ الشائع في قراءة الحروب أنها تبدأ مع إطلاق أول رصاصة. أما حرب أكتوبر فبدأت من ”صمت
الهيئة”.
∙حرب الأعصاب الصامتة: لسنوات طويلة، عاش الجندي المصري والعربي تحت وطأة حرب نفسية
عملاقة تقنعهم بأن العدو لا يُقهر، وأن الجغرافيا أصبحت قيداً أبدياً.
∙العبقري في التخدير الاستراتيجي: لم يكن الصمت العسكري قبيل المعركة مجرد إخفاء للتحركات،
بل كان ”صمت حكيم” يمارس الصبر حتى ينسى الخصم كيف يبدو شكل الخطر.
∙الدرس الإنساني: عندما تريد أن تحدث زلزَالاً في حياتك، توقف عن الكلام، توقف عن التذمر،
واجعل كل طاقتك تتكثف في نقطة واحدة تحت سطح الأرض، فالعواصف الكبرى تولد دائماً في
عمق السكون.
ثانياً: هندسة الروح.. حين يصبح الإنسان أصعب من الفولاذ
الأسطورة التي بناها الخصم عن “خط بارليف” لم تكن مجرد جدار من الساتر الترابي والخرسانة والنابالم،
بل كانت جداراً فكرياً يُقنعك أن العائق المادي أكبر من الروح الإنسانية.
∙تخطي المستحيل بالبساطة: جاء حل المعضلة ليس باختراع أسلحة فضائية معقدة، بل بفكرة بدائية
عبقرية: ”مياه القناة نفسها”. خراطيم مياه بسيطة أذابت الهيبة المصنوعة من الأسمنت والنار.
∙تحطيم الهيبة الوهمية: أثبت العبور أن العوائق الهائلة التي يضخمها الآخرون في عقولنا لا تقف
صامدة أمام إرادة مؤمنة بحقها.
∙الدرس الإنساني: مخاوفنا الكبرى، أزماتنا المالية أو المهنية أو النفسية، ليست سوى “خط بارليف”
وهمي؛ تبدو مرعبة لأننا ننظر إليها من مسافة الخوف، ولكن حين نقترب ونتسلح بالبساطة
والعزيمة، تذوب كالثلج تحت خراطيم اليقين.
ثالثاً: توقيت القدر.. دقة الساعات المبرمجة على نبض القلوب
لم تكن ساعة الصفر (الثانية بعد الظهر يوم السادس من أكتوبر) مجرد اختيار عسكري دقيق لتوجيه
الضربات في توقيت يعمي عيون العدو (بسبب انعكاس الشمس على ضفة القناة)، بل كانت توقيتًا
وجودياً.
∙التزامن الكوني: تداخلت اللحظة العسكرية مع ظروف دينية واجتماعية ونفسية جعلت الجندي
المصري يقاتل وكأنه يحمل على كتفيه تاريخ أمة بأكملها وليس مجرد بندقية.
∙إدارة التفاصيل الدقيقة: الفارق بين الهزيمة والنصر لم يكن في عدد الدبابات فحسب، بل في جزء
من الثانية الذي يتحرك فيه القرار من عقل القائد إلى عضلة الجندي.
∙الدرس الإنساني: الحياة لا تعترف بالاجتهاد العشوائي، بل بالتوقيت الجراحي. النجاح الحقيقي
يحتاج إلى دقة الساعات المبرمجة؛ أن تقول الكلمة الصحيحة في المكان الصحيح للشخص الصحيح
في اللحظة التي لا يحتمل فيها الزمن خطأً واحداً.
رابعاً: معجزة التلاحم.. حين يصبح الشعب جيشاً والجيش وطناً
أكبر درس قدمته لنا أكتوبر لم يكن على ضفة القناة فحسب، بل في شوارع المدن، في البيوت التي تقاسمت
اللقمة، وفي الجبهة الداخلية التي شكلت درعاً بشرياً ومعنوياً لا يلين خلف المقاتلين.
∙إلغاء المسافات: سقطت كل الفوارق الطبقية والجهوية؛ صار الفلاح والمهندس والطالب والعامل
يرتدون لباس الشرف ذاته، ويحملون الهدف ذاته.
∙الاكتفاء بالكرامة: خرج المصريون لا يطلبون غنيمة ولا توسعاً، بل طلبوا شيئاً أغلى من النفط
والمال: ”استعادة الملامح المفقودة”.
∙الدرس الإنساني: الأوطان لا تُبنى ولا تُحفظ بجهود الأفراد المنعزلين، بل حين ينصهر المجتمع
في بوتقة واحدة وقت الشدة. التكاتف ليس شعاراً سياسياً، بل هو قانون بقاء.
ختاماً: أكتوبر ليس ذكري.. بل هو “حالة استمرار”
أكتوبر ليس يوماً في التقويم نمر عليه مرور الكرام لنلقي خطباً رنانة ثم نعود لسباتنا. أكتوبر هو مرآة
سنوية تُذكّرنا بأننا قادرون.
قادرون على كسر طوق المستحيل، وقادرون على قهر الهزيمة من قلب العتمة، وقادرون على إعادة كتابة
التاريخ حين نجرؤ على العبور. فلا تقف طويلاً أمام السواتر الترابية التي يعترض بها الآخرون طريقك،
بل تذكر دائماً: خلف كل ساتر ترابي عظيم.. مياه جارية وإرادة لا تعرف المستحيل.