د. إسلام علي شاهين يكتب | تحدي انهيار القيم والأخلاق

0

 “بناء الإنسان”… جرس إنذار هل يوقظ الضمير الوطني؟!.

في خضم التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، واللهاث المستمر نحو التقدم المادي والتكنولوجي، تقف المجتمعات أمام مرآة قاسية تعكس تشوهات عميقة في بنيتها الأخلاقية والتربوية. لم تكن الحوادث المأساوية التي هزت الرأي العام مؤخراً مجرد جرائم جنائية عابرة، بل هي في جوهرها أعراض لمرض خبيث ينهش في جسد المجتمع، وينذر بانهيار منظومة القيم التي طالما كانت الدرع الحامي للهوية المصرية والعربية. إن الدماء التي أريقت على الأسفلت، والنفوس التي أُزهقت بدم بارد، تضعنا جميعاً أمام تساؤلات مصيرية حول غياب دور الأسرة، وتراجع المؤسسات التربوية والدينية، وخطورة الرسائل الإعلامية التي شوهت الفطرة الإنسانية.

لقد طالعتنا الأخبار بفواجع تدمي القلوب؛ ففي حدائق الأهرام، فاضت روح الشابة المكافحة “هدير”، بائعة عربه المشروبات التي لم تطلب من الدنيا سوى قرش حلال، لتتحول إلى أشلاء تحت عجلات سيارة تقودها مراهقة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، برفقة شباب في مقتبل العمر. المأساة لم تكن فقط في حادث السير، بل في رد الفعل المتبلد؛ ابتسامات لامبالية، ومحاولات للتنصل من المسؤولية، واستخفاف تام بروح بريئة أُزهقت. وفي مدينة بنها، دفع رجل نبيل يبلغ من العمر خمسة وخمسين عاماً حياته ثمناً لشهامته، حين تدخل لمنع مجموعة من الشباب الطائش من التحرش بفتاتين، فكان جزاؤه السحل والضرب حتى الموت. ولم تقتصر هذه الظواهر على محيطنا الإقليمي، بل هي جائحة عالمية؛ ففي الولايات المتحدة، أنهت الطفلة “سيدي روش” حياتها بعد أن بثت مشاعرها المكتئبة عبر تطبيق “تيك توك”، لتجد تفاعلاً بارداً يعكس اغتراباً إنسانياً مخيفاً في العالم الافتراضي.

إن القراءة المتأنية لهذه المشاهد الكارثية تقودنا إلى تشخيص دقيق لغياب الحلقة الأهم في مسيرة التطور، ألا وهي “التربية”. لقد تراجع دور الأسرة بشكل مخيف، وتحولت البيوت من محاضن للتربية وتغرس المبادئ، إلى مجرد كيانات لتوفير الاحتياجات المادية. لقد طغى الانشغال بلقمة العيش، وضغوط الحياة، والسعي نحو الرفاهية، على حساب البناء الروحي والأخلاقي للأبناء. غاب الرقيب الأسري الذي يسأل ويوجه، واختفت الحوارات العميقة بين الآباء والأبناء، لينشأ جيل مشوه، يعتقد أن امتلاك سيارة فارهة يمنحه الحق في استباحة دماء البسطاء، جيل يفتقد لأدنى درجات الإحساس بالمسؤولية أو التعاطف الإنساني.

ولم يقف الخلل عند عتبات المنازل، بل امتد ليعصف بالمؤسسات التعليمية. لقد سقطت كلمة “التربية” من قاموس “التربية والتعليم”، وتحولت المدارس والجامعات إلى مجرد مصانع لضخ الشهادات الأكاديمية وحفظ المناهج وتفريخ الخريجين لسوق العمل، متناسية دورها الأصيل في صقل الشخصية وتخريج “المواطن الصالح”. لقد نسينا أن التربية تسبق التعليم، وأن العلم بدون أخلاق تضبطه يتحول إلى أداة للهدم لا للبناء.

وفي السياق ذاته، تقاعست المؤسسات الدينية ودور العبادة عن أداء دورها المجتمعي العميق. فبينما انشغلت المنابر بمحاربة التطرف الأيديولوجي، وتجديد الخطاب الديني على المستويات النظرية، والدخول في جدليات فقهية حديثة، تراجع دورها في البناء الأخلاقي البسيط والمباشر للنشء. غابت الخطاب الديني السمح الذي يغرس قيم الرحمة، واحترام الكبير، وإغاثة الملهوف، والكلمة الطيبة، ليُترك الشباب فريسة لفراغ روحي قاتل.

كما فُرغت المؤسسات الشبابية والرياضية من محتواها التربوي. مراكز الشباب التي كانت يوماً قلاعاً لبناء الأجساد والعقول، والأندية التي كانت تعلم النشء أخلاقيات الرياضة قبل مهاراتها، تراجعت لصالح ثقافة “الفوز بأي ثمن”. وفي خضم هذا التراجع، نسينا جوهر حركات تربوية نبيلة كـ “الحركة الكشفية”، التي تهدف في مقامها الأول إلى خلق مواطن صالح، مستندة إلى قانون كشفي يضم إحدى عشرة صفة تعتبر النواة الصلبة للأخلاق والآداب التي تميز الشاب المنضبط والمسؤول.

إلا أن الضربة القاضية جاءت من منصات الإعلام والفن، التي مارست، بقصد أو بدون قصد، عملية غسيل دماغ جماعي للمجتمع. لقد تم دس السم في العسل تحت ذريعة “نقل الواقع” و”تسليط الضوء على السلبيات”. تم تمجيد البلطجة، وصُنع من الخارجين عن القانون والمهمشين أخلاقياً “أبطالاً شعبيين” يتغنى بهم الشباب ويقلدون حركاتهم ومفرداتهم. تشبع العقل الباطن للجيل الجديد بمشاهد العنف والاستهانة بالأرواح، واعتاد على رؤية الجريمة وكأنها مشهد سينمائي عابر. هكذا، نُسفت قيم الشهامة والمروءة، وضاعت هويتنا المصرية والعربية الأصيلة، واختفى ذلك العرف المجتمعي النبيل الذي كان يجعل من كل رجل في الشارع أباً لكل طفل، ينصحه ويرده عن الخطأ، ليحل محله شعار “أنا مالي”، خوفاً من أن يلقى الناصح مصير شهيد الشهامة في بنها.

إن هذا التراجع القيمي لم يولد من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لعملية “مسخ” ثقافي وتكنولوجي أنتجت أجيالاً أشبه بالروبوتات، تسير في دروب الحياة كآلات بلا روح، كرست وجودها لأهداف ليست في حقيقتها سوى كماليات ووسائل فارغة، متمثلة في الهاجس المرضي بالهوس بالصورة، والبحث عن الشهرة العابرة، وتكديس المال والسلطة كغاية وحيدة. لقد أفرز هذا المسار بشراً تجردوا من إنسانيتهم، وفقدوا قدرتهم على ترك أثر حقيقي أو السعي نحو الهدف الأسمى لخلق الإنسان وهو “الأثر الطيب”، ليتحولوا إلى جيل أجوف، قد ينجح في تحقيق طفرات تقنية أو إنجازات هندسية ومعمارية مذهلة في مظهرها، لكنها تظل صماء وجوفاء بلا روح، تفتقد ذلك الدفء والألفة التي نلمسها في كل ما نشأ على القيم الأصيلة. إننا نرى هذا الفارق الجوهري حين نتأمل ذكرياتنا وماضينا، حين نقارن بين العمارة القديمة التي كانت تنبض بالروح، وبين الفن الجميل الذي كان يلامس الوجدان، وبين الأخلاق النبيلة التي كانت تحكم التعاملات، وبين ما ينتجه هذا الجيل اليوم من نواتج قد تبدو في ظاهرها نجاحات متلاحقة، لكنها نجاحات جوفاء وهشة، تفتقر إلى العمق والرسوخ، وتتلاشى أثرها سريعاً كمثل الزبد الذي يذهب جفاءً، ولا يمكث منه شئ في الأرض فليس به ما ينفع الناس. 

إدراكاً لهذا المنحدر الخطير، وحرصاً على إنقاذ ما تبقى من الروح المصرية الأصيلة، جاءت المبادرة الرئاسية “بداية جديدة لبناء الإنسان” لتمثل طوق نجاة وطني، وخطوة استراتيجية غير مسبوقة تهدف إلى الاستثمار في رأس المال البشري. إن هذه المبادرة لا تقتصر على تطوير قطاعات الصحة أو التعليم أو توفير فرص العمل فحسب، بل تحمل في جوهرها مشروعاً قومياً لإعادة صياغة الشخصية المصرية وترسيخ هويتها. من خلال تكاتف أجهزة الدولة مع الأزهر والكنيسة والأوقاف والمجتمع المدني، تسعى المبادرة إلى خلق أجيال قادرة على الإبداع والابتكار، مع الحفاظ الصارم على القيم والأخلاق والمبادئ. تستهدف المبادرة الفئات العمرية منذ الطفولة المبكرة وحتى كبار السن، لتعيد الروح لجسد المجتمع، وتضمن أن يكون التقدم المادي مصحوباً بارتقاء إنساني وأخلاقي.

إن هذا التوجه الاستراتيجي للدولة يستدعي منا جميعاً استحضار العبقرية الفلسفية للعالم الفارسي العظيم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي صاغ في القرن التاسع نظرية رياضية خالدة تحدد القيمة الحقيقية للإنسان. قال الخوارزمي: إذا كان الإنسان ذا أخلاق، فقائمتُه (1). وإذا رُزق الجمال، أضف صفراً إلى يمين الرقم ليصبح (10). وإذا رُزق المال، أضف صفراً آخر ليصبح (100). وإذا نال المنصب والسلطة، أضف صفراً ثالثاً لتصبح قيمته (1000). ولكن، إذا فَقَدَ الرقم (1) – وهو الأخلاق – ذهبت قيمة الرقم، وبقيت الأصفار وحدها لا قيمة لها ولا وزن.

هذه هي المعادلة التي تلخص أزمتنا الراهنة. لقد رأينا بأعيننا كيف تحول المال والجمال والمنصب إلى أصفار كارثية أزهقت الأرواح ونشرت الفساد عندما غاب الرقم “واحد”. المراهقة الثرية التي دهست بائعة الشاي وصديقها امتلكا سيارة (مال)، لكن غياب الأخلاق جعل من ثرائهما أداة للقتل. الشباب الذين سحلوا الرجل المسن ربما امتلكوا قوة الشباب، لكن غياب المروءة جعلهم أصفاراً في ميزان الإنسانية.

إن الخطر المحدق لا يهدد فرداً بعينه، بل يهدد بقاء الأمة وكيانها. لا يمكن لأي دولة أن تنهض، مهما بلغت ناطحات سحابها عنان السماء، ومهما تضخمت أرقام نموها الاقتصادي، إذا كانت قواعدها الأخلاقية خاوية. إن مبادرة “بداية جديدة لبناء الإنسان” هي دعوة لليقظة، ونداء عاجل للمجتمع والحكومة والأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة، ليتكاتفوا جميعاً من أجل إعادة الرقم (1) إلى مكانه الصحيح في صدارة معادلة البناء.

هل يفيق المجتمع ويستيقظ من غفلته؟ هل ندرك أن التربية هي مسؤولية تضامنية لا تقبل التنصل؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات هي التي ستحدد ملامح المستقبل. إما أن ننهض بشخصية مصرية متحضرة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتدرك أن الأخلاق هي الضامن الوحيد لاستدامة التطور، أو أن نترك الأصفار تتكاثر في مجتمعنا حتى تلتهم كل ما بنيناه. إن الوقت لم يفت بعد للعودة إلى الجذور، لتنقية شاشاتنا، وإعادة الهيبة لمعلمينا وعلمائنا، وتفعيل دور مؤسساتنا، ليكون كل شاب مصري مشروعاً لمواطن صالح، يعتز بأخلاقه قبل أن يتباهى بماله، لتبقى مصر كما كانت دائماً، كنانة للأخلاق ومنارة للحضارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.