د. حسن هجرس يكتب | الإدارة المحلية… من الفرد إلى المؤسسة
تظل الفردية واحدة من أكبر العقبات التي تواجه الإدارة المحلية؛ إذ تتحول المؤسسة الخدمية والتنفيذية بأكملها إلى ظل لشخص واحد، فيصبح النجاح أو التعثر مرتهنا بوجود هذا المسؤول وقدرته الشخصية على المتابعة الميدانية واتخاذ القرارات اليومية. لكن التجارب الإدارية الحديثة
أثبتت أن المجتمعات لا تبنى بأسلوب الرجل الواحد، وأن الاستدامة الحقيقية تتطلب فكرا مؤسسيا راسخا.
المحافظ ، مهما امتلك من خبرة ميدانية ورؤية استراتيجية وحضور مجتمعي، لن يستطيع بمفرده إدارة إقليم يضم قطاعات خدمية متكافلة، ومدنا وقرى متباينة الاحتياجات، وأجهزة تنفيذية متشابكة. من هنا، تتجاوز المهمة الحقيقية للقائد الإقليمي مجرد إصدار التوجيهات اليومية إلى
مهمة أعمق وأكثر تأثيرا، بناء فريق عمل متماسك وقادر على الإنجاز المستقل.
إن بناء الفريق التنفيذي الناجح يتطلب بيئة عمل تقوم على وضوح المسؤوليات وتحديد الأهداف بمدد زمنية دقيقة ، إلى جانب ضمان تدفق المعلومات وسرعة التنسيق بين القطاعات المختلفة. يكتمل ذلك بتطبيق نموذج صارم للمتابعة والتقييم، يرتكز على مبدأ المحاسبة على القصور ومكافأة
التميز. فالقائد القوي لا يخشى الكفاءات العالية حوله ، بل يسعى إليها ويوفر لها البيئة المناسبة للعمل ، لأن قوة المعاونين وتخصصهم تعكس كفاءة القيادة في الاستثمار في العنصر البشري.
على الجانب الآخر، فإن الإدارة التي تدار بمنطق التوجيهات الأحادية تسلب القيادات التنفيذية قدرتها على المبادرة والتفكير الإبداعي، وتنتج جهازا ينتظر الإذن في كل تفصيلة صغيرة ، وهنا تتجلى أهمية تفويض الصلاحيات كمفهوم جوهري في الإدارة الحديثة. والتفويض هنا ليس تخليا
عن المسؤولية ، بل تمكين منظم يعطي كل مسؤول المساحة الكافية لاتخاذ القرار في نطاق اختصاصه ، ضمن إطار من الحوكمة ومؤشرات قياس الأداء الواضحة.
الحديث عن تطوير الإدارة المحلية ينبغي أن يركز على التساؤل الذاتي للمسؤول:ـ هل صممت جهازا يعتمد على التفكير المؤسسي أم جهازا يتوقف عمله عند غيابي؟ إن نجاح الإدارة المحلية لا يقاس بمدى انشغال المحافظ بكافة التفاصيل، بل بمدى قدرة المؤسسة على تقديم الخدمات بكفاءة
وانتظام. تتحقق النتائج الملموسة للمواطن عندما تتحول الرؤية إلى عمل جماعي، وتتحول المسؤولية الفردية إلى التزام مؤسسي مستدام يبقي الأثر قائما حتى مع تغير الأشخاص.