د.حسن هجرس يكتب | عن عيد العمال
عيد العمال ليس مجرد مناسبة رمزية نردد فيها كلمات التقدير، ولا يوم عابر في جدول الاحتفالات، لكنه لحظة حقيقية لإعادة النظر في قيمة العمل ودور العامل في بناء الدولة الحديثة. في هذه اللحظة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط ماذا قدم العامل، بل كيف تنظر الدولة إليه، وكيف
تضعه في قلب مشروعها للمستقبل.
في التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، لم يعد العامل مجرد أداة تنفيذ، بل تحول إلى شريك أساسي في عملية البناء والتنمية. هذه النقلة لم تأت بالصدفة، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تبنتها الدولة، تقوم على أن الإنسان هو أساس أي نهضة حقيقية، وأن الاستثمار في الموارد
البشرية هو الطريق الأهم لتحقيق التنمية المستدامة.
في هذا السياق، برز دور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إعادة الاعتبار لقيمة العمل، من خلال إطلاق مشروعات قومية كبرى لم تخلق فقط بنية تحتية حديثة، بل فتحت مجالات عمل واسعة وغير مسبوقة أمام الشباب. من الطرق والمحاور إلى المدن الجديدة والمناطق الصناعية، تشكلت
خريطة اقتصادية جديدة ساهمت في خلق فرص حقيقية، ودفعت عجلة الإنتاج، ووسعت قاعدة التشغيل في مختلف القطاعات.
ولم يتوقف الأمر عند توفير فرص العمل، بل امتد إلى تطوير العنصر البشري نفسه، عبر التوسع في برامج التدريب والتأهيل، ودعم التعليم الفني، وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل. هذا التوجه يعكس إدراكا عميقا بأن العامل المؤهل هو أساس المنافسة، وأن بناء كوادر قادرة على
التطور هو الضمان الحقيقي لاستمرار النمو.
كما أولت الدولة اهتماما كبيرا بدعم الصناعة والتجارة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاقتصاد الوطني. التوسع في إنشاء المناطق الصناعية، وتقديم التيسيرات للمستثمرين، وتعزيز حركة التجارة الداخلية والخارجية، كلها خطوات ساهمت في خلق بيئة اقتصادية أكثر حيوية، وفتحت
آفاقا جديدة أمام العمالة المصرية.
ومع صدور قانون العمل الجديد عام 2025، تتعزز هذه الرؤية بشكل أكثر وضوحا. فالقانون لا يمثل مجرد إطار تنظيمي، بل يعكس فلسفة متوازنة تهدف إلى تحقيق العدالة بين العامل وصاحب العمل، وتوفير بيئة عمل مستقرة وجاذبة للاستثمار في الوقت نفسه. هذه المعادلة تمثل أحد المفاتيح
الرئيسية لبناء اقتصاد قوي قادر على الاستمرار.
القانون الجديد وضع قواعد أكثر وضوحا لتنظيم علاقات العمل، وأقر آليات فعالة لتسوية النزاعات، ومنح قدرا من المرونة التي تساعد على النمو والتوسع، دون الإخلال بحقوق العامل. وهو ما يعزز الثقة داخل سوق العمل، ويدعم توجه الدولة نحو جذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل مستدامة.
ورغم أهمية هذه السياسات، يظل العامل نفسه هو الركيزة الأساسية في معادلة النجاح. فالتنمية الحقيقية لا تقوم فقط على المشروعات أو القوانين، بل على وعي الإنسان بقيمة عمله، وقدرته على الإبداع والتطوير، واستعداده لتحمل المسؤولية في مرحلة تتطلب أقصى درجات الجهد والانضباط.
في ظل هذه المعطيات، يظل العامل المصري أحد أهم أعمدة الجمهورية الجديدة، بما يمتلكه من خبرة وقدرة على التكيف والعمل في مختلف الظروف. ومع استمرار الدولة في دعم الصناعة والتجارة، وتوسيع مجالات العمل، والارتقاء بالموارد البشرية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة يكون فيها
العمل هو الطريق الحقيقي للتقدم، ويصبح العامل فيها شريكا أصيلا في بناء الحاضر وصياغة المستقبل.