د. عادل جعفر يكتب | مستشفيات وإمكانات
يدخل آلاف المرضى يوميًا إلى المستشفيات بحثًا عن رعاية تليق بآلامهم، لكن كثيرين منهم يصطدمون بواقع مختلف: طوابير
ممتدة، وتفاوت ملحوظ في جودة الخدمة، وتجربة لا تعكس حجم ما تمتلكه بعض هذه المؤسسات من إمكانات. المفارقة أن
المشكلة ليست دائمًا في نقص الموارد، بل في سوء توظيفها.
هذه المفارقة ليست استثناءً، بل مؤشر متكرر على خلل أعمق في طريقة إدارة المؤسسات الصحية. فالتجارب الدولية تؤكد أن
الأداء المؤسسي المستدام لا يقوم على عنصر واحد، بل على توازن دقيق بين ثلاثة عناصر رئيسية تشكل ما يمكن تسميته “مثلث
الأداء المؤسسي”: القيادة، والنظم، والثقافة التنظيمية. وعندما يختل هذا التوازن، تفقد الموارد قيمتها، ويتراجع الأثر الذي يصل
إلى المريض.
القيادة في المؤسسات الصحية لا تعني مجرد شَغل المناصب، بل القدرة على توجيه العمل الطبي والإداري وصناعة فرق
متماسكة قادرة على تحقيق نتائج حقيقية. ومع ذلك، لا يتم دائمًا اختيار القيادات وفق معايير الكفاءة الإدارية والقدرة على الإدارة
الحديثة، وهو ما يفتح الباب لظهور فجوات واضحة في الأداء. وتشير بعض الدراسات إلى أن أقل من نصف القيادات الصحية
تمارس أنماط قيادة فعالة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمة ورضا المرضى.
أما النظم المؤسسية، فهي الإطار الذي يتحرك من خلاله كل فرد داخل المستشفى، بداية من استقبال المريض وحتى خروجه.
هذه النظم هي التي تحدد مسار العمل، وتضمن الجودة، وتحافظ على سلامة المرضى. لكن المشكلة تظهر عندما تكون هذه النظم
ضعيفة، فتتحول المؤسسة إلى اجتهادات فردية غير مستقرة، أو عندما تصبح معقدة بشكل مفرط، فتتحول إلى عبء بيروقراطي
يعطل الأداء بدلًا من دعمه. وفي الحالتين، يتحول مسار المريض إلى تجربة غير متوقعة، تفتقد الاتساق والوضوح.
وتبقى الثقافة التنظيمية هي العامل الأكثر خفاءً وتأثيرًا في الوقت نفسه. فهي التي تشكل المناخ العام داخل المؤسسة: هل تُقدَّر
الكفاءة؟ هل يشعر الفريق الطبي بالأمان عند طرح المشكلات؟ هل يتم تشجيع المبادرات أم تُقابل بالمقاومة؟ المؤسسات التي
تنجح في بناء ثقافة إيجابية قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات وتحفيز الابتكار، بينما تدفع البيئات السلبية أفضل عناصرها إلى
الرحيل، مهما توفرت الإمكانات. لأن الثقافة، في النهاية، هي التي تحدد من يبقى… ومن يختار المغادرة.
وتتعقد الأزمة أكثر عندما تختل هذه العناصر الثلاثة معًا. فالقائد الطموح لا يستطيع تحقيق نتائج في بيئة تحكمها نظم بيروقراطية
وثقافة مقاومة للتغيير. وتشير تقارير دولية إلى أن ضعف التفاعل الوظيفي المرتبط بأساليب القيادة يكلف الاقتصاد العالمي
تريليونات الدولارات سنويًا، وهو ما يعكس حجم الخسارة الناتجة عن سوء الإدارة، لا عن نقص الموارد.
إصلاح المنظومة الصحية لا يبدأ فقط من زيادة الإنفاق أو تطوير البنية التحتية، بل من إعادة النظر في طريقة إدارة المؤسسات
نفسها. ويظل المدخل الأكثر تأثيرًا هو إصلاح آليات اختيار القيادات، باعتبارها القادرة على تطوير النظم وإعادة تشكيل الثقافة
التنظيمية.
عندما نطرح السؤال: لماذا تتعثر مستشفياتنا؟ فالإجابة لا تكمن في البحث عن سبب واحد، بل في مراجعة هذا التوازن الدقيق:
هل لدينا قيادات تُلهم وتُدير بكفاءة؟ هل نمتلك نظمًا تُسهّل العمل ولا تُعقّده؟ وهل نعمل داخل ثقافة تُقدّر الكفاءة وتحتضن
المبادرة؟
من الإجابة الصادقة على هذه الأسئلة يبدأ التحول الحقيقي… من مستشفيات تؤدي الخدمة، إلى مؤسسات تصنع الشفاء.