د. علي يحي يكتب | أكتوبر.. ملحمة الجيش المصري

0

حين نقرأ تاريخ مصر، فإننا لا نقرأ فقط تاريخ حضارة عظيمة شيدت المعابد وأقامت المدن وابتكرت العلوم والفنون، وإنما نقرأ أيضًا تاريخ وطن عرف منذ فجره أن حماية الأرض وصون مقدرات الشعب مسؤولية لا يمكن التفريط فيها. 

ومن هنا تبدأ حكاية الجيش المصري؛ حكاية تمتد لآلاف السنين، من ساحات مصر القديمة إلى معارك التحرير، ومن مجدو وقادش إلى عبور قناة السويس في السادس من أكتوبر، ثم إلى أبواب السلام. 

وفي مثل هذه الأيام، ونحن نستحضر ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، يقف أمامنا سؤال مهم: هل كان نصر أكتوبر صفحة منفردة في تاريخ العسكرية المصرية؟ أم أنه فصل جديد في قصة بدأت منذ آلاف السنين؟ 

والإجابة تأخذنا في رحلة طويلة عبر التاريخ. 

فمنذ عصر المصريين القدماء، ارتبطت القوة العسكرية بحماية حدود البلاد والدفاع عن أمنها. ويبرز الملك أحمس الأول نموذجًا واضحًا لقائد قاد حرب التحرير ضد الهكسوس، ثم جاءت الدولة الحديثة لتشهد تطورًا كبيرًا في التنظيم العسكري والحملات الخارجية. 

ونؤكد هنا أن قيمة التاريخ العسكري المصري لا تتوقف عند نتائج المعارك، فهناك معارك مصرية قديمة أصبحت موضوعًا مهمًا للدراسة والتحليل في تاريخ الحروب، لما تكشفه من جوانب تتعلق بالتخطيط والقيادة واتخاذ القرار. 

ومن أبرزها معركة مجدو في عهد تحتمس الثالث، التي ارتبطت بخطة للتحرك والمفاجأة وحسن استغلال ظروف الميدان، ثم معركة قادش في عهد رمسيس الثاني، التي أصبحت من أشهر وقائع التاريخ العسكري المصري القديم. 

لكن مصر لم تصنع حضارتها بالسلاح وحده. 

وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ فمصر التي عرفت الحرب عرفت كذلك قيمة السلام، ولم يكن هدف قوتها العسكرية قائمًا على الطمع في أراضي الآخرين، وإنما ارتبط في جوهره بحماية الوطن وتأمين حدوده والدفاع عن مقدرات شعبه. 

ولعل واحدة من أقدم الشواهد على ذلك تأتي بعد صراع قادش بين المصريين والحيثيين، عندما اتجه الطرفان إلى إبرام معاهدة سلام في عهد رمسيس الثاني، لتصبح تلك المعاهدة شاهدًا تاريخيًا على أن القوة يمكن أن تفتح الطريق أمام التفاوض والسلام. 

وهنا نصل إلى درس مهم في قراءة التاريخ المصري: الجيش لا تكون غايته الحرب من أجل الحرب، وإنما حماية الوطن، وإذا أمكن تحقيق الأمن والسيادة والسلام دون استمرار القتال، فإن السلام يصبح امتدادًا آخر لمسؤولية حماية الوطن. 

وبعد آلاف السنين، جاءت حرب أكتوبر ‌‌1973‌‌ لتضيف فصلًا جديدًا إلى هذه المسيرة. فقد خاضت مصر الحرب من أجل استعادة الأرض وفرض واقع جديد، ثم انتقلت بعد ذلك من ميادين القتال إلى مسار التفاوض. 

وفي عهد الرئيس أنور السادات، وصلت مصر إلى محطة تاريخية أخرى؛ فبعد حرب أكتوبر جاءت مرحلة التحرك السياسي والدبلوماسي، وصولًا إلى اتفاقات كامب ديفيد عام ‌‌1978‌‌، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في ‌‌26‌‌ مارس ‌‌1979‌‌، التي تضمنت ترتيبات لانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وعودة السيادة المصرية عليها. 

وهكذا، فإن الصورة الكاملة لتاريخ مصر لا تختصر في معركة أو انتصار عسكري، وإنما تمتد من الاستعداد للدفاع، إلى خوض المعركة عندما تفرض الظروف ذلك، ثم إلى التفاوض عندما يصبح السلام قادرًا على تحقيق حماية الأرض والسيادة. 

ومن أحمس إلى مجدو، ومن قادش إلى أكتوبر، ومن ميادين القتال إلى أبواب السلام، تبدو أمامنا مسيرة طويلة تؤكد أن القوة المصرية لم تكن يومًا غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الوطن ومقدرات شعبه. 

خاتمة 

وفي ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، نستعيد هذه الصفحات لا لنحتفي بالحرب لذاتها، وإنما لنستحضر قيمة الوطن، ومعنى التضحية، وقدرة المصري على تحويل أصعب اللحظات إلى محطات في تاريخ بلاده. 

فالجيش المصري، في هذه الرؤية التاريخية، لم يُبنَ على فكرة التوسع أو الطمع في أرض الآخرين، وإنما على عقيدة جوهرها حماية مصر والدفاع عن أرضها وشعبها ومقدراتها. 

وقد تتغير العصور، وتتطور أدوات الصراع، وتتبدل طبيعة التحديات، لكن تبقى مصر هي الثابت. 

مصر التي صنعت حضارة امتدت عبر آلاف السنين، وخاض أبناؤها معارك الدفاع عن أرضها، ثم عرفت متى يكون السلام طريقًا لحماية ما تحقق. 

من أحمس إلى أكتوبر، ليست الحكاية حكاية معارك فقط، وإنما حكاية وطن عرف كيف يحمي أرضه، وكيف يصنع نصره، وكيف يفتح أبواب السلام عندما يصبح السلام طريقًا لصون الوطن. 

حفظ الله مصر، وحفظ شعبها، ورحم شهداءها، وكتب لها دائمًا الأمن والسلام والاستقرار. 

وتظل مصر، كما كانت عبر آلاف السنين، وطنًا يصنع التاريخ ويحفظ أرضه ويصون مقدرات أبنائه‌‌.‌

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.