د. محمد وهاب عبود يكتب | من السلام بالقوة إلى الغموض الاستراتيجي

0

يتدفق من البيت الأبيض سيل من المصطلحات مع كل مؤتمر صحفي، بالأمس كان “السلام عبر القوة” الذي سرعان ما تحول إلى هباء. واليوم الصيحة الجديدة “الغموض الاستراتيجي”، العبارة التي باتت تردد بطريقة آلية أشبه بالتكرار القهري. إذ تقول المتحدثة الرسمية إن هذا الغموض ليس مناورة، إنه أسلوب محوري.
في الأثناء يتنهد الأوروبيون في مكاتبهم ومجالسهم ويسمون ما يحدث “حالة اللايقين”، وهي ترجمة بلغة دبلوماسية لمعنى مفاده أن لا ثقة بواشنطن بعد الآن. فالغموض كما تره القارة العجوز يستوجب البحث عن خيارات لمستقبل يصعب التكهن بمآلاته في ضوء المعطيات الراهنة.
لعل الباحث الأمريكي كريس بوتلير الذي تعقب جذور مفهوم “الغموض الاستراتيجي” في علم الإدارة لا في السياسة، قد كشف أسراره ومقاصده. فالغموض برأيه يسمح بالتأويل ويهيئ مجالاً للتراجع ويحرف التواصل. بمعنى يمنح مختبر تجارب واسع، وإذا لم تكن تملك استراتيجية أصلاً فهو الحل الأمثل. هذه الجملة الأخيرة وحدها تشرح لماذا يواجه سيد البيت الأبيض سيلاً من الانتقادات لا يتوقف. فالخصوم الجمهوريون يهاجمونه وبعض حلفائه الديمقراطيين يختلفون معه ووسائل الإعلام تتهمه بالارتجال ووالأوروبيون لا يرغبون في سماع صوته أصلاً.
إن معيار الشفافية في الدبلوماسية ليس ديكورا لغويا، إنه اللبنة الوحيدة التي تصلح لتشييد صرح الثقة وما عدا ذلك فهو حزمة من المكائد أو لعب بالنار في مخزن وقود. فالعالم اليوم وهو يغرق في اشتعالات متتالية، يحتاج إلى المفاتحة الصريحة وإلى موازين/معايير واضحة أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر. فالغموض بتعبير ثان هو مجرد إيهام يولد التباساً هنا وسوء تقدير هناك. كما يخلق فجوات يصعب رأب صدعها.
وليس من المستبعد في القريب العاجل إطلاق مصطلح ثالث قد يزج بالجميع في متاهة أعمق مما هي اليوم. فلا أحد يعلم ما الذي سيأتي بعد “الغموض”، ربما “الفوضى الفائضة”، أو “الإنكار التكتيكي” أو… المهم بالنسبة لهم أن يبقى الطريق مضاء بالارتباك والجدران مطلية بالشك والريبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.