د.وائل حسين يكتب | “طلعت زكريا” والانتقاء الرياضي
“نريد اختيارًا متجردًا، حتى يحصل الموهوب الحقيقي على فرصته، لأن البلد مليئة بأمثال محمد صلاح وشوبير، لكنها تحتاج فقط إلى أن تكتشفهم بالشكل الصحيح.”
لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة قالها السيد رئيس الجمهورية وهو يكرم أبطال المنتخب، بل كانت روشتة واضحة وصريحة لإنقاذ مستقبل الكرة المصرية. فقد وضع الرئيس يده على موضع الخلل، مؤكداً أن مصر تزخر بالمواهب المدفونة في القرى والنجوع، وهي مواهب لا تنتظر سوى من يكتشفها بتجرد ونزاهة، بعيدًا عن المصالح والوساطة.
غير أن هذه الرؤية تصطدم بواقع مرير، يكشفه ما يُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر إعلانات اختبارات الأندية مصحوبة بأسعار مرتفعة لاستمارات التقديم ورسوم القيد.
عند هذه النقطة، لا يملك المرء إلا أن يبتسم بسخرية، مستعيدًا المشهد الأيقوني للفنان الراحل طلعت زكريا في دور مدرب كرة القدم بفيلم أبو علي، حين كان يختار تشكيل الفريق وفقًا للأطعمة التي يقدمها إليه اللاعبون، لا وفقًا لموهبتهم.
لقد كان طلعت زكريا يجسد مشهدًا كوميديًا خياليًا يسخر من العشوائية، لكن المؤسف أننا أصبحنا اليوم نطبق هذا السيناريو على أرض الواقع بكل جدية.
والنتيجة الطبيعية لذلك هي ضياع المواهب.
فعندما تتحول اختبارات الأندية وكشافي النجوم من معيار المهارة والاجتهاد إلى معيار القدرة على الدفع، يصبح مصير كثير من المواهب الذهبية الضياع، لأن أسرهم لا تملك ثمن استمارة التقديم أو رسوم القيد.
ونظرة سريعة إلى تاريخ الكرة المصرية تؤكد حقيقة واحدة، وهي أن أعظم نجومنا الذين رفعوا اسم مصر عاليًا لم يولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، بل خرجوا من البيوت البسيطة والقرى المتواضعة. ومحمد صلاح خير مثال على ذلك؛ فقد خرج من إحدى قرى مصر ليقدم للعالم درسًا في أن العزيمة والإرادة قادرتان على صناعة المجد.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى روشتة الإنقاذ.
إذا أردنا بالفعل ترجمة رؤية الدولة ورغبتها في صناعة جيل ذهبي جديد، وبناء “100 محمد صلاح”، فعلينا القضاء على هذه العشوائية من خلال خطوات حاسمة، أهمها:
* تشكيل لجان فنية محايدة.
* تقييم المهارات وفق معايير موضوعية، لا وفقًا للقدرة المالية.
* فرض رقابة صارمة على الأندية وآليات الاختبارات.
لقد حان الوقت لإغلاق باب المصالح والوساطة والعشوائية في ملاعبنا، وفتح باب الموهبة والفرص الحقيقية. فكره القدم لم تكن يومًا رهينة بما يملكه اللاعب في جيبه، وإنما بما يملكه من مهارة وقدرة على العطاء داخل الملعب.
وفي ضوء التوجيهات الرئاسية التي أكدت ضرورة الاختيار المتجرد وصناعة أجيال قادرة على المنافسة، ينبغي على الاتحاد المصري لكرة القدم الإسراع بتشكيل لجنة فنية متخصصة لقطاعي الناشئين والبراعم، تتولى وضع معايير فنية وبدنية موضوعية لكل مرحلة سنية، وتطبيق اختبارات موحدة ومعلنة.
كما ينبغي أن يتفرع عن هذه اللجنة لجان فنية محايدة على مستوى الجمهورية، تعمل وفق جدول زمني محدد لزيارة الأندية والأكاديميات، وتتمتع بالصلاحية الكاملة لاعتماد قيد اللاعبين من الناحية الفنية أو استبعادهم، مع إتاحة نظام لإعادة الاختبار والتقييم الدوري في بداية كل موسم رياضي.
وبهذا الإجراء العلمي المؤسسي، نضمن تكافؤ الفرص، ونحمي الموهبة من سطوة المال والمجاملات، ونخطو خطوة حقيقية نحو تحقيق حلم وجود مائة محمد صلاح في الكرة المصرية.