عبدالرحمن أبوالريش يكتب | التعليم الجامعي.. الواقع والمأمول
أصبحت الدراسة الأكاديمية في مصر، من وجهة نظري، أمام أزمة حقيقية؛ فالكثير من المناهج لم تعد تواكب التطور العلمي والمعرفي المتسارع، ولا تعكس بالقدر الكافي واقع المجتمع واحتياجات المستقبل.
وقد وجّه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، الجهات المعنية بضرورة تطوير المناهج والدراسات، بما يساهم في إعداد طالب قادر على مواكبة العصر والتطور العلمي. وهي توجيهات تعكس إدراكًا واضحًا لأهمية تطوير التعليم وبناء الإنسان.
لكن السؤال الأهم ليس: هل صدرت التوجيهات؟ وإنما: إلى أي مدى تحولت هذه التوجيهات إلى واقع حقيقي داخل الجامعات؟
ففي عدد كبير من الكليات، لا يزال الطالب يدرس مناهج وكتبًا تعود إلى بدايات الألفينات. نعم، العلوم تراكمية، ولا يمكن تجاهل المعرفة السابقة، لكن هناك فارقًا بين البناء على ما سبق وبين أن يصبح الماضي هو السقف الذي لا يتجاوزه التعليم.
والدليل على هذه الفجوة أن الطلاب الجامعيين أصبحوا بشكل متزايد يبحثون خارج جامعاتهم عن البرامج والكورسات التي يرون أنها ستضيف إلى مهاراتهم وتُثقل سيرتهم الذاتية، حتى أصبح بعضهم يمنح هذه البرامج أولوية على حضور المحاضرات الجامعية، لأنه يرى أن ما يحصل عليه خارج الجامعة أكثر ارتباطًا بمستقبله المهني.
المشكلة ليست في أن يتعلم الطالب خارج الجامعة؛ بل على العكس، التعلم المستمر أمر إيجابي. لكن المشكلة الحقيقية أن يشعر الطالب بأن ما يحتاجه لبناء مستقبله موجود خارج المؤسسة التعليمية التي يفترض أن توفر له الأساس العلمي والمهاري.
وفي المقابل، لا أؤمن بأن تطوير التعليم يعني تحويل الجامعة إلى مجرد مؤسسة لإنتاج موظفين وفقًا لمتطلبات سوق العمل. فالجامعة ليست مصنعًا للعمالة، والتعليم ليس مجرد وسيلة للحصول على وظيفة.
نحن نحتاج إلى إنسان مثقف، واعٍ، قادر على التفكير والنقد والتحليل، ويمتلك في الوقت نفسه المهارات العلمية والعملية التي تؤهله لسوق العمل والحياة.
وهنا تكمن المعادلة التي يجب أن ننجح في تحقيقها: كيف نحافظ على دور التعليم في بناء عقل الإنسان وشخصيته ووعيه، وفي الوقت نفسه نمنحه الأدوات التي يحتاجها لمواكبة عصره؟
فالتوجيهات الرئاسية موجودة، والرؤية واضحة، لكن المطلوب أن يتحول ذلك إلى تطوير حقيقي يُلمسه الطالب داخل المناهج وقاعات المحاضرات، لا أن يظل تطوير التعليم مجرد عنوان في الخطط والتقارير.
لأن الدولة التي تريد أن تصنع مستقبلًا قويًا، لا يكفي أن تطور مبانيها ومؤسساتها؛ عليها أولًا أن تطور العقل الذي سيصنع هذا المستقبل.