محمد الصعيدي يكتب | اختبار حقيقي للدستور

0

في لحظة نادرة من تاريخنا الحديث، نجد أنفسنا أمام تصريح رئاسي يمس جوهر مستقبلنا السياسي: الالتزام بالمدد الرئاسية الدستورية وعدم تعديل الدستور لتمديد فترة البقاء في السلطة. هذا التصريح، سواء قوبل بالتفاؤل أو بالحذر، يمثل منعطفًا قد يكون الأكثر أهمية في العقود الأخيرة، ليس فقط كونه يفتح الباب أمام نقاش عام، بل لأنه يضرب بجذوره في أعماق بنية السلطة ذاتها.

بالنسبة لي، كمواطن مصري يؤمن بأن الدستور هو العقد الاجتماعي الأسمى، وأن تداول السلطة السلمي هو حجر الزاوية لأي ديمقراطية مستقرة، فإن هذا التصريح ليس مجرد كلمات، بل هو إعلان عن نهاية حقبة “الرئيس الأبدي” وبداية محتملة لحقبة “الرئيس المؤسسي“.

تاريخنا حافل بنماذج حيث لم يكن وصول الحاكم إلى السلطة مجرد انتقال لمنصب، بل كان إيذانًا بتشكيل شبكات واسعة من المصالح والنفوذ. هذه الشبكات، التي تتغلغل في مؤسسات الدولة ودوائر المال والأعمال والإعلام، تجد في بقاء الحاكم ضمانة لاستمرارها ومكاسبها. وتصبح هذه الشبكات بمرور الوقت أشبه بدولة داخل الدولة، تدافع عن مصالحها بشراسة، وترى في أي تغيير تهديدًا لوجودها.

هنا تكمن القوة المزلزلة لاحتمال الالتزام بالدستور. فمجرد إدراك هذه الشبكات أن زمن السلطة الحالي يقترب من نهايته الحتمية، سيدفعها لإعادة حساباتها. التحالفات التي بدت صلبة قد تتفكك، والولاءات التي كانت مطلقة قد تُراجع. هذا الحراك الصامت خلف الأبواب المغلقة، حيث تُفتح الملفات وتُعاد تقديرات المواقف، هو التحدي الحقيقي.

إن هذا التحول، إن حدث، سيمثل سابقة تاريخية: انتقال للسلطة لا تحكمه أزمات أو ثورات أو وفيات، بل يحكمه استحقاق دستوري سلمي ومحدد سلفًا. هذا هو الاختبار الحقيقي لقدرة دولتنا على الفصل بين استمرارية المؤسسات واستمرارية الأفراد، بين المصلحة الوطنية العليا ومصالح المنتفعين.

على الصعيد الداخلي، فإن إرساء هذا الإرث الديمقراطي سيبعث برسالة طمأنة للمواطنين بأن إرادتهم المتمثلة في الدستور تُحترم، مما سيعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويدفع عجلة التنمية الحقيقية القائمة على الكفاءة والمساءلة، لا على المحسوبية والولاءات.

أما على الصعيد الدولي، فإن صورة مصر كدولة مؤسسات تحترم دستورها وتلتزم بالمسار الديمقراطي ستتعزز بشكل كبير. هذا الاستقرار السياسي المبني على أسس دستورية راسخة سيكسب مصر احترامًا دوليًا أوسع، وسيجذب استثمارات طويلة الأجل تبحث عن بيئة سياسية مستقرة لا تعتمد على بقاء فرد بعينه.

إن الأمل الحقيقي يكمن في أن تصصبح الدولة المصرية هي الثابت الوحيد، وأن يعود الحاكم إلى دوره الطبيعي كموظف عام، يأتي في موعد ويرحل في موعد، تاركًا خلفه إرثًا من المؤسسات القوية والقانون المحترم. هذا هو الاستقرار الحقيقي الذي ننشده، استقرار لا يهتز برحيل حاكم، بل يزداد رسوخًا باحترام إرادة الشعب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.