محمد سمير مليجي خليل يكتب | وقت قياس الأثر
نحو شراكة مؤسسية أكثر فاعلية بين الدولة والمجتمع المدني والمواطن
في ظل ما تشهده الدولة المصرية من جهود متواصلة لتعزيز المشاركة المجتمعية وتحسين جودة الخدمات ودعم مسارات التنمية تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة التواصل بين الدولة والمواطن ومؤسسات المجتمع المدني بحيث لا يتوقف الحوار عند حدود الاستماع وطرح التوصيات وإنما يمتد إلى المتابعة والتنفيذ وقياس الأثر والنتائج على أرض الواقع
فالمواطن شريك أساسي في عملية التنمية والمجتمع المدني يمتلك خبرات وطاقات ميدانية يمكن الاستفادة منها بينما تظل مؤسسات الدولة صاحبة الاختصاص في وضع وتنفيذ السياسات والقرارات ومن ثم فإن تحقيق التكامل بين هذه الأطراف يمثل فرصة مهمة لرفع كفاءة الاستجابة للاحتياجات المجتمعية وتعزيز الثقة المتبادلة
من تعدد المبادرات إلى تكامل الجهود
توجد العديد من المبادرات والمؤسسات والكيانات المجتمعية التي تعمل في مجالات مختلفة إلا أن تعظيم أثر هذه الجهود يتطلب مزيدا من التنسيق وتبادل المعلومات وتحديد الأولويات
ولذلك تبرز أهمية وجود آليات وطنية ومحلية تساعد على حصر المبادرات وتحديد مجالات عملها وربطها بالاحتياجات الفعلية للمواطنين وتقليل الازدواجية وتوجيه الجهود نحو الملفات الأكثر احتياجا
فالهدف ليس زيادة عدد المبادرات وإنما زيادة قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة
المواطن شريك في صناعة الحل
المشاركة المجتمعية الحقيقية لا تعني فقط إتاحة الفرصة للمواطن للتحدث وإنما تعني وجود مسار واضح للتعامل مع ما يطرحه
ومن هنا تأتي أهمية تطوير قنوات الحوار المباشر والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بما يسمح باستقبال المقترحات والقضايا وتصنيفها وتحويلها إلى الجهات المختصة ومتابعة ما يتم بشأنها
فالمنصة الفعالة ليست التي تستقبل أكبر عدد من الرسائل وإنما التي تستطيع تحويل
صوت المواطن إلى معلومة إلى أولوية إلى إجراء إلى نتيجة
التوصية لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء الحوار
من أهم عناصر نجاح أي منظومة للمشاركة المجتمعية أن تكون التوصيات قابلة للمتابعة والقياس
ولذلك يقترح أن ترتبط كل توصية أو مقترح قابل للتنفيذ بالجهة المختصة والإجراء المطلوب والإطار الزمني ومؤشر الأداء ونسبة الإنجاز والنتيجة النهائية
وبذلك يتحول الحوار من مجرد لقاء إلى مسار عمل مؤسسي
قياس الأثر هو المعيار الحقيقي
إن نجاح المبادرات والبرامج المجتمعية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الفعاليات أو الاجتماعات أو المشاركين وإنما بما أحدثته من تغيير حقيقي
ومن المهم أن نطرح بصورة مستمرة أسئلة واضحة
ماذا تغير
ما المشكلة التي تم حلها
هل تحسنت الخدمة
كم عدد المستفيدين
ما نسبة تنفيذ التوصيات
كم استغرقت الاستجابة
وما مستوى رضا المواطنين
هذه المؤشرات لا تهدف إلى تحميل جهة بعينها المسؤولية وإنما إلى تحسين الأداء وتحديد نقاط القوة والضعف ومعالجة المعوقات
دور الدولة والمجتمع المدني
إن تفعيل الشراكة المجتمعية لا يعني نقل الاختصاصات من جهة إلى أخرى وإنما يعني تحقيق التكامل في إطار القانون
فالدولة تضع السياسات وتنفذها من خلال الجهات صاحبة الاختصاص ومؤسسات المجتمع المدني تساهم في رصد الاحتياجات وتقديم المبادرات والخبرات وفق الأطر المنظمة لعملها بينما يقدم المواطن رؤيته واحتياجاته ويساهم في تقييم النتائج
ومن هنا يمكن أن تكون رئاسة مجلس الوزراء والوزارات والمحافظات أطرافا رئيسية في تنسيق هذه الجهود وربطها بمنظومة متابعة وقياس أثر كل في حدود اختصاصه
المحافظات نقطة الانطلاق الأقرب للمواطن
تمثل الإدارة المحلية حلقة مهمة في منظومة المشاركة المجتمعية باعتبارها الأقرب إلى الاحتياجات اليومية للمواطنين
ومن المفيد تطوير منصات أو آليات محلية للحوار تضم الجهات التنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني والشباب والخبراء والمواطنين بهدف تحديد الأولويات المحلية وتحويلها إلى خطط عمل واضحة
والأهم هو أن تنتقل هذه الاجتماعات من مجرد عرض المشكلات إلى
تحديد الأولوية إلى تحديد الجهة المختصة إلى تحديد الإجراء إلى تحديد المدة إلى متابعة التنفيذ إلى قياس النتيجة
منظومة وطنية لقياس المشاركة والأثر
يمكن تطوير منظومة وطنية متدرجة تعتمد على الأدوات القائمة دون الحاجة بالضرورة إلى إنشاء هياكل بيروقراطية جديدة
وتتضمن هذه المنظومة قاعدة بيانات للمبادرات المجتمعية وقنوات للحوار ونظاما لمتابعة التوصيات ومؤشرات لقياس الأداء والأثر وتقارير دورية تساعد على تطوير السياسات والبرامج
كما يمكن أن تتضمن مؤشرات مثل
نسبة الاستجابة للمقترحات
نسبة تنفيذ التوصيات
متوسط زمن الاستجابة
عدد المشكلات التي تم التعامل معها
مستوى رضا المواطنين
عدد المستفيدين
مدى تحسن الخدمات محل التدخل
مستوى التكامل بين المبادرات
نسبة المبادرات التي حققت أثرا مستداما
من الحوار إلى صناعة القرار
إن القيمة الحقيقية للمشاركة المجتمعية تظهر عندما تتحول المعلومات القادمة من المواطن والمجتمع المدني إلى عنصر يساعد الجهات المختصة في فهم الواقع وتحديد الأولويات وتحسين السياسات
ولهذا يجب أن تكون هناك حلقة متكاملة
استماع إلى تحليل إلى تحديد الأولويات إلى إحالة للجهة المختصة إلى تنفيذ إلى متابعة إلى قياس أثر إلى تطوير
هذه الحلقة هي التي تجعل الحوار المجتمعي جزءا من منظومة تحسين الأداء وليس مجرد نشاط منفصل
رسالة إلى الجهات المعنية
إن المقترح المطروح لا يستهدف إنشاء أعباء إدارية جديدة ولا يتدخل في اختصاصات الجهات المختلفة وإنما يدعو إلى تعظيم الاستفادة من الأدوات الموجودة وربطها بصورة أكثر فاعلية بالمتابعة وقياس النتائج
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من قياس النشاط إلى قياس الأثر ومن قياس عدد اللقاءات إلى قياس ما تحقق نتيجة هذه اللقاءات ومن تسجيل التوصيات إلى متابعة ما تم تنفيذه منها
نحو ثقافة جديدة في العمل المجتمعي
نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة جديدة تقوم على أن كل جهد يجب أن تكون له نتيجة وكل نتيجة يجب أن تكون قابلة للقياس وكل معوق يجب أن تتم دراسته وكل تجربة ناجحة يجب الاستفادة منها وتطويرها
فالمجتمع المدني الفاعل ليس فقط من يطلق المبادرات وإنما من يستطيع أن يثبت أثرها
والجهة التنفيذية الفاعلة ليست فقط من تستقبل المقترح وإنما من تستطيع متابعته في حدود اختصاصها وتحويل الممكن منه إلى نتيجة
والمواطن الفاعل ليس فقط من يطرح المشكلة وإنما من يشارك في تقديم الحل وتقييم النتيجة
الخلاصة
إن بناء جسور أكثر قوة بين الدولة والمواطن والمجتمع المدني يتطلب الانتقال من ثقافة الحوار إلى ثقافة المشاركة ومن المشاركة إلى التنفيذ ومن التنفيذ إلى قياس الأثر
فالمطلوب ليس مزيدا من اللقاءات لمجرد اللقاء ولا مزيدا من التوصيات لمجرد تسجيلها وإنما منظومة تجعل لكل صوت قيمة ولكل توصية مسارا ولكل إجراء نتيجة ولكل نتيجة مؤشرا يقيس أثرها
دعوة تنفيذية
ندعو الجهات المعنية إلى دراسة هذا المقترح وفتح مسار تنفيذي لتقييم إمكانية تطبيقه وفق الاختصاصات والقواعد المنظمة
كما ندعو إلى البدء بمرحلة تجريبية محددة المدة يتم خلالها اختبار آليات الحوار والمتابعة وقياس النتائج وتحديد المعوقات والعمل على تطوير النموذج قبل التوسع في تطبيقه
إن تحويل الفكرة إلى تجربة عملية سيكون الخطوة الأهم للانتقال من الاستماع إلى المتابعة ومن المتابعة إلى التنفيذ ومن التنفيذ إلى قياس الأثر
إنها دعوة إلى شراكة مؤسسية أكثر فاعلية تقوم على الاستماع والتنسيق والشفافية وتحديد المسؤوليات وقياس النتائج بما يعزز قدرة الدولة والمجتمع المدني والمواطن على العمل معا من أجل تحقيق أثر ملموس ومستدام
نسمع نتابع ننفذ نقيس الأثر