محمد صبيح فؤاد عبدالله يكتب | بين الحلم والهجرة
لم يعد سؤال الهجرة بين الشباب مجرد سؤال عن السفر، بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا وخطورة: لماذا أصبح الرحيل حلمًا، بينما كان البقاء يومًا هو الحلم؟
في جلسات الشباب، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفي المقاهي والجامعات، يتكرر المشهد نفسه: شاب يتحدث عن السفر كما لو كان يتحدث عن طوق نجاة. لا يسأل: «هل أسافر؟» بقدر ما يسأل: «كيف أستطيع أن أرحل؟». وكأن الوطن، الذي يفترض أن يكون نقطة الانطلاق، أصبح في نظر بعض أبنائه محطة انتظار طويلة.
لكن من الظلم أن نختزل حلم الهجرة في البحث عن المال فقط. فالشباب اليوم يبحثون عن أكثر من راتب؛ يبحثون عن كرامة، واستقرار، وفرصة عادلة، ومساحة للحلم، ومستقبل يمكن التخطيط له.
الشاب لا يريد أن يقضي أجمل سنوات عمره في انتظار وظيفة، أو أن يشعر بأن شهادته مجرد ورقة معلقة على الحائط، أو أن يصبح النجاح مرتبطًا بالوساطة والعلاقات أكثر من ارتباطه بالاجتهاد والكفاءة. إنه يريد أن يشعر بأن تعبه يمكن أن يصنع فرقًا، وأن الطريق إلى المستقبل ليس مغلقًا منذ البداية.
وهنا تكمن القضية الحقيقية: عندما يشعر الشباب أن أحلامهم أكبر من الفرص المتاحة أمامهم، يصبح الرحيل أكثر إغراءً من البقاء.
المشكلة ليست في أن الشباب يحلمون بالسفر؛ فالسفر حق، والهجرة قد تكون فرصة للتعلم والعمل واكتساب الخبرات. المشكلة تبدأ عندما يتحول السفر إلى «الخطة الوحيدة»، وعندما يصبح الوطن في خيال الشاب مكانًا يبدأ منه، لكنه لا يتصور أن مستقبله يمكن أن يُبنى فيه.
لا يمكن مواجهة الهجرة بمجرد النصائح أو التحذيرات، ولا بإخبار الشباب بأن الخارج ليس جنة. فالشباب يعرفون أن الغربة صعبة، وأن الطريق ليس مفروشًا بالنجاح. ومع ذلك، يختار بعضهم المخاطرة؛ لأنهم يرون أن مخاطرة الرحيل أرحم من يقين الانتظار.
الحل الحقيقي يبدأ من سؤال بسيط، لكنه يحتاج إلى إجابة كبيرة: ماذا يحتاج الشباب حتى يختاروا البقاء؟
يحتاجون إلى تعليم يرتبط بسوق العمل، وفرص حقيقية لا وعود مؤجلة، وتمويل للمشروعات، وتشجيع للابتكار، ومشاركة حقيقية في صناعة القرار. يحتاجون إلى من يسمعهم قبل أن يحكم عليهم، ويفهم أحلامهم قبل أن يتهمهم بأنهم لا يحبون أوطانهم.
فالشباب لا يكرهون الوطن عندما يفكرون في الرحيل، لكنهم أحيانًا يرحلون بحثًا عن وطنٍ آخر داخل الحلم.
والتحدي الحقيقي ليس أن نمنع الشباب من السفر، بل أن نصنع واقعًا يجعل البقاء أيضًا حلمًا يستحق أن يُختار.