محمد عمران يكتب | إعادة تعريف الأمية

0

زمان كان الأمي هو كل من لا يعرف القراءة ولا الكتابة وكان المعيار الأساسي للحكم على قدرة الإنسان على التعلم والتعامل مع المجتمع ثم تطور المفهوم مع ظهور الحاسب الآلي والهواتف فأصبح من لا يستطيع التعامل مع هذه الأدوات نوع جديد من الأمية لأن جزء كبير من الخدمات والمعاملات اليومية أصبح يعتمد عليها بشكل مباشر

واليوم مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي يبدو أننا أمام مرحلة جديدة قد تعيد تعريف مفهوم الأمية مرة أخرى فقد تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية متقدمة يستخدمها المتخصصون إلى أداة تدخل في مختلف جوانب الحياة العلمية والعملية والاجتماعية والثقافية والبحث العلمي وإدارة الأعمال وريادتها والصناعة والزراعة والإعلام والخدمات الحكومية وغيرها من مجالات تمس حياة الإنسان بشكل يومي

وخلال فترة قصيرة وجد ملايين الأشخاص أنفسهم مضطرين للتعامل مع هذه الأداة الجديدة التي توفر الوقت والجهد وتساعد في تحليل البيانات واستخراج المعلومات وتوليد الأفكار وتقديم المقترحات والتوصيات بصورة سريعة قد تستغرق من الإنسان ساعات وتصل إلى شهور لإنجازها في السابق لذلك أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم أدوات العصر وأصبح من لا يعرف كيف يستفيد منه يفقد جزءا مهما من الفرص المتاحة في سوق العمل والتعليم والحياة بشكل عام ولكن يجب أن نطرح بعض الاسئلة المشروعة والمنطقية خاصة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات

هل الذكاء الاصطناعي مصدر موثوق للمعلومة؟ الذكاء الاصطناعي عبارة عن مجموعة من الخوارزميات والنماذج الحاسوبية المشبعة والمدربة على كميات ضخمة من البيانات قادرعلى التعامل مع المدخلات مثل النصوص والصور والبرامج والملفات وقواعد البيانات ثم يقوم بمعالجتها وتحليلها وإنتاج مخرجات تتناسب مع السؤال أو المهمة المطلوبة وبمعنى أبسط بيعتمد على ما هو متاح له من بيانات ومعلومات، ويقوم بإعادة تنظيمها وتحليلها وتقديمها للمستخدم في صورة أكثر سهولة ولذلك فهو ليس مصدر مستقل للحقيقة بلأداة تساعد على الوصول إلى المعرفة واستثمارها بصورة أكثر كفاءة

هل الذكاء الاصطناعي موجه سياسيا أو اجتماعيا؟ للإجابة يجب أن نعرف من هو صانع الذكاء الاصطناعي ومن قام بتطوير النظام الذي نستخدمه ومن يمتلك حقوقه الفكرية وما هي السياسات التي تحكم تشغيله

هل الذكاء الاصطناعي محايد ؟ أي منصة يتم تطويرها بواسطة شركات أو مؤسسات أو فرق بحثية لها أهدافها ورؤيتها الخاصة وبالتالي الحديث عن الحياد المطلق في أي نظام تقني يظل أمر يحتاج إلى نقاش وتحليل مستمر كما أن المستخدم يجب أن يكون واعي لطبيعة البيانات التي يشاركها مع أي منصة رقمية وعليه مراجعة سياسات الخصوصية وشروط الاستخدام قبل مشاركة أي معلومات شخصية أو مهنية حساسة

هل يمكن استخدامه كأداة للتأثير على الرأي العام أو توجيه بعض الأفكار داخل العقل الجمعي؟ هو لا يقرأ الأفكار والبيانات فقط ولكن يتعامل مع ما تكتبه أو تعرضه عليه ويخزن في قاعدة بيانات يتم معالجتها وتوزيعها على القطاعات المختلفة و يمكن التأثير على رأى ما عند سؤاله عن الانتحار وخلافه من المحاور حسب رغبة المبرمج كتغيير السردية التاريخية و الثقافية للحروب على سبيل المثال

هل يمكن الوثوق به في حفظ الأسرار والبيانات؟ من الأفضل عدم مشاركة المعلومات السرية أو البيانات الحساسة أو المستندات التي قد ينتج عن تسريبها أضرار مهنية أو شخصية، خاصة إذا كانت طبيعة المنصة وسياسات الاحتفاظ بالبيانات غير واضحة للمستخدم ولهذا أصبح الوعي الرقمي والأمن السيبراني جزء أساسي من ثقافة استخدام التكنولوجيا

هل جميع نتائجه دقيقة بنسبة كاملة؟ كلما كانت صياغة السؤال أكثر دقة ووضوح كانت الإجابة أكثر دقة وفائدة ولهذا ظهر مصطلح “هندسة الأوامر” أو Prompt Engineering وهو علم وفن صياغة التعليمات والأسئلة للحصول على أفضل النتائج لذلك نجد مستخدمين يحصلون على نتائج مختلفة رغم استخدامهم لنفس الأداة لأن طريقة عرض السؤال نفسها تختلف من شخص إلى اخر وبناء عليه النتائج ايضا تختلف وقد تصل دقته في بعض المهام إلى مستويات عالية لكن هذا لا يعني أنه لا يخطئ فيجب دائما مراجعة النتائج وتدقيقها من قبل المتخصصين لأن الخطأ البسيط في مجالات متخصصة قد يؤدي إلى نتائج كبيرة لا يمكن تجاهلها ولهذا أرى من الأفضل اعتباره مساعد ذكي يدعم الإنسان ولا يستبدله بالكامل

استخدامات الذكاء الاصطناعي ؟ في مجالات كثيرة منها البحث والتحليل والرصد وإعداد الدراسات والتقارير وتصميم الصور وإنتاج الفيديوهات وكتابة الأكواد البرمجية وتطوير التطبيقات وإدارة المشروعات وتحليل البيانات وغيرها من الاستخدامات التي تتوسع يوم بعد يوم على سبيل المثال

إذا كنت طالب فيمكنك الاستفادة في إعداد التقارير والأبحاث العلمية وفهم المناهج الدراسية وتبسيط المعلومات المعقدة وتصميم خطط تعلم تناسب قدراتك واهتماماتك كما يمكنك استخدامه لاختبار الأفكار وتطوير المشروعات ومراجعة النتائج وإعادة تحليلها للوصول إلى حلول جديدة قد تخدم مجال دراستك أو تخصصك فى المستقبل

إذا كنت فني أو تعمل في أحد القطاعات الزراعية أو الصناعية أو الخدمية فيمكنك الاستفادة من أحدث الأساليب الفنية والتقنيات الحديثة وتحسين كفاءة العمل وتقليل الفاقد وزيادة الإنتاجية كما يمكنك تطوير برامج أو أنظمة تساعد على إدارة العمل بصورة أفضل وتحقيق عائد اقتصادي أكبر للمؤسسة والعاملين بها

أما إذا كنت مهندس أو طبيب أو باحث أو متخصص في أي مجال علمي لديك أبواب واسعة للبحث والتطوير وتحليل البيانات وإجراء الدراسات المتعمقة وبناء نماذج ذكية تساعد في اتخاذ القرار وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمجتمع

من هنا تأتي أهمية نشر ثقافة الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات مع وضع ضوابط وأخلاقيات واضحة لاستخدامه كما يجب بناء قواعد بيانات وبنوك معلومات وطنية تساعد الباحثين والطلاب وأصحاب المشروعات على تطوير أفكارهم وربط مشروعات التخرج والأبحاث العلمية بالتحديات الحقيقية التي تواجه القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية بهدف الوصول إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ

فالهدف ليس استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة للترفيه أو لإنتاج محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي وإنما توظيفه كأداة للتنمية والإبداع والإنتاج فلا شك أن الذكاء الاصطناعي يؤثرعلى سوق العمل فبعض الوظائف تتراجع أو تختفي وفي المقابل تظهر وظائف جديدة مرتبطة بتطوير الأنظمة الذكية وتحليل البيانات وإدارة التكنولوجيا والابتكار الرقمي ومن لا يدرك حجم هذا التحول قد يجد نفسه يوما ما ينافس برنامج بسيط يؤدي جزء كبير من مهامه بكفاءة أعلى وسرعة أكبر ولهذا فالسؤال الأهم لماذا نكتفي باستخدام البرامج بينما يمكن أن نشارك في تطويرها وصناعة حلول جديدة من خلالها؟

في النهاية يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم أدوات بناء الحضارات الحديثة كما يمكن أن يكون سبب في هدمها فالفرق الحقيقي لن يكون في امتلاك التكنولوجيا بل في القدرة على إنتاج المعرفة وتطوير الأفكار وتحويلها إلى حلول ومشروعات تخدم الإنسان ومن سيسبق بالفكرة والابتكار سيكون الأقدرعلى قيادة المستقبل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.