محمد فؤاد البري يكتب | الآداب نصف جامعة
دائماً نسمع هذه التوصية ” ضرورة ربط التخصصات الجامعية بسوق العمل ” والحقيقة أن هذه
التوصية قد تناسب كل التخصصات ماعدا تخصصات كلية الآداب ، لأنها لم تنشأ لخدمة
اقتصادية بحتة ، ولا يوجد في أي سوق عمل محلي أو عالمي وظائف مثل : فيلسوف – ناقد –
أديب – مفكر – باحث اجتماع – مؤرخ.. الخ لكنها وجدت لهدف أسمى وأرقي وهو المساهمة في
نهضة المجتمع فكرياً وذوقياً وأدبياً ، ومحاربة الأمراض الفكرية التي تهاجم مجتمع ما في فترات
الفراغ الثقافي وإذابة الجمود الفكري والتعصب والمحافظة على لغته الأم من الضياع ، وأن
ترتقي بالذوق العام عندما يهبط أو ينحرف . الآداب خلقت ليعرف المثقف كيف يحافظ على
هويته ويحترم الاختلاف ، وهي الكلية التي يقع على عاتقها انتاج الأدب وصياغة النظريات
الفلسفية وتصحيح ومراجعة تاريخ الشعوب والحضارات .
الأزمة هنا أن الكلية تخلت عن وظيفتها الرئيسية التي كانت تمتاز بها في الماضي ،عندما كانت
مصدراً للقوة الناعمة فأصبح هناك شعور بأن الكلية بلا وظيفة تذكر فأصبحت الأزمة مزدوجة
(بطالة خريجين + ثقافة هشة) ، عندما تزور كليات الآداب في جامعات مصر اليوم وتتحدث مع
طلابها ستجد انهيار تام في المستوى الثقافي فكيف ننتظر منهم أن يعيدوا أمجاد الماضي أو نأمن
الثقافة معهم باعتبارهم المسؤولين عن نشرها وهم عاجزين في الأساس عن تثقيف أنفسهم.
فالمقارنة صعبة بين ماضي الآداب وحاضرها والشاهد على ذلك الإنتاج الفكري والأدبي
لشخصيات تخرجت من الكلية في الحقبة الملكية والناصرية شخصيات غيرت وشكلت واقعهم
الثقافي وتركوا بصمات مازال تأثيرها مستمر لليوم مثل ( طه حسين ، نجيب محفوظ ، عبد
الرحمن بدوي ، جمال حمدان ، أنيس منصور ، أسامه أنور عكاشة ، محمود أبو زيد ، مراد
وهبه ، ذكي نجيب محمود ..الخ ) هؤلاء خريجو كلية الآداب انتجوا من الفكر والأدب والاجتماع
والفلسفة سواء من آداب القاهرة أو عين شمس ما عجزت كليات الآداب أن تنتجه بجميع خريجيها
وأساتذتها في 28 جامعة منذ أربعة عقود ؟!
لم تعد العلاقة بين كلية الآداب والابداع الأدبي كما كانت .. فما السبب ؟؟
اقترن اسم ألمع الأدباء المصريين بكلية الآداب ، تلك الأسماء ممتدة عبر القرن العشرين منذ أن
حصل الطالب طه حسين علي أول درجة دكتوراه من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1914