محمد نعيم شاهين يكتب | مساحة المفكرين
في كل مجتمع، هناك أصوات كثيرة تتحدث، لكن ليست كل الأصوات تحمل الفكرة ذاتها، وليست كل الكلمات قادرة على صناعة الوعي أو فتح أبواب جديدة للتفكير.
وعندما تُمنح المساحة للمفكرين وأصحاب الرؤى والخبرات، فإن المشهد بطبيعته يتغير؛ لأن صاحب الفكر لا يكتفي بعرض رأيه، وإنما يحاول أن يضع أمام الناس أسئلة جديدة، ويقدم زوايا مختلفة للنظر، ويحول الحوار من مجرد حديث عابر إلى مساحة للتأمل والنقاش.
وهنا قد يشعر البعض بأن هذه المساحة أصبحت تضيق عليهم، أو أن حضور أصحاب الفكر والخبرة قد أخذ جزءًا من الأضواء التي اعتادوا عليها. لكن الحقيقة أن المساحة حين تُعطى لمن يمتلك ما يضيفه، فإنها لا تنتقص من أحد، وإنما ترفع قيمة المشهد كله.
المشكلة ليست في أن يأخذ المفكر فرصته، ولا في أن يظهر صاحب الخبرة، وإنما المشكلة الحقيقية عندما تصبح الساحة بلا معايير، فيتساوى من قضى سنوات في البحث والتعلم والعمل، مع من لا يملك سوى القدرة على جذب الانتباه.
الإعلام الواعي لا يبحث فقط عن الشخص الأكثر شهرة، وإنما يبحث عن الفكرة الأكثر قيمة، والتجربة الأكثر إفادة، والصوت القادر على ترك أثر حقيقي في الناس.
وقد تعكر هذه المعادلة صفو البعض؛ لأن الأفضلية في النهاية لا تُمنح بالصوت الأعلى، ولا بكثرة الظهور، وإنما بما يقدمه الإنسان من علم وفكر وتجربة وأثر.
ولذلك فإن إعطاء المفكرين وأصحاب الكفاءات مساحة حقيقية ليس ترفًا إعلاميًا، بل هو جزء من صناعة الوعي.
فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة المتحدثين فقط، وإنما تتقدم عندما تستمع إلى من لديه ما يستحق أن يُسمع.
المساحة حق للجميع، لكن قيمة المساحة تتحدد بقيمة ما يُقدم داخلها.
وفي النهاية، لا ينبغي أن نخشى من بروز أصحاب الفكر، بل ينبغي أن نرحب بكل عقل يضيف، وكل تجربة تُعلّم، وكل صوت يفتح أمام الناس طريقًا جديدًا للفهم.
فحين يتقدم الفكر… يتراجع الضجيج تلقائيًا.