محمود المناعي يكتب | التشريع الرقمي

0

يشهد العالم العربي منذ أكثر من عقدين تحولاً تشريعياً متسارعاً في مجال الفضاء الرقمي. لم يعد الأمر ترفاً قانونياً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات التقنية والاقتصادية والأمنية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نجحت هذه التشريعات في تحقيق أهدافها؟ أم أن الفجوة بين النص والتطبيق لا تزال واسعة؟

في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن معظم الدول العربية أدركت أن غياب الإطار التشريعي الرقمي يعني فوضى قانونية. فبدأت تضع قوانين للجرائم الإلكترونية، وأخرى للمعاملات الإلكترونية، وثالثة لحماية البيانات الشخصية. وكانت الإمارات من أوائل الدول، حيث أصدرت قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات عام 2006، ثم حدّثته عام 2012 ليواكب المستجدات . وحذت دول أخرى حذوها: الأردن بقانون جرائم أنظمة المعلومات عام 2010، والسعودية بنظام مكافحة جرائم المعلوماتية عام 2007، والبحرين بقانون جرائم تقنية المعلومات عام 2014 .

لكن الإشكالية لا تكمن في وجود القوانين، بل في طبيعتها. فمعظم التشريعات العربية، كما تشير الدراسات، تستخدم صياغات فضفاضة وتعبيرات غامضة تفتح الباب لتفسيرات واسعة. مصطلحات مثل “الأخبار الكاذبة” و”الآداب العامة” و”الأمن القومي” تُترك دون تعريف دقيق، مما يمنح الجهات المنفذة سلطة تقديرية هائلة . والنتيجة أن هذه القوانين، التي وُضعت لحماية المجتمع، قد تتحول إلى أداة لتضييق هامش التعبير وإسكات الأصوات الناقدة. وهنا يظهر التناقض: النص يقول إنه يحمي، لكن التطبيق قد يقول شيئاً آخر.

وإذا انتقلنا إلى قوانين حماية البيانات، نجد تحولاً أكثر إيجابية. فبعد أن كانت المنطقة تفتقر إلى تشريعات شاملة، أصبحت دول الخليج ومصر والأردن تمتلك اليوم أطراً قانونية مستوحاة من النموذج الأوروبي، وإن اختلفت في التفاصيل . الإمارات أصدرت قانون حماية البيانات الشخصية عام 2021، والسعودية نظام حماية البيانات الشخصية في العام نفسه، والبحرين قانون حماية البيانات الشخصية عام 2018 . لكن التحدي الأكبر يبقى في التطبيق: هل تمتلك هذه الدول أجهزة رقابية قادرة على فرض احترام هذه القوانين؟ أم أن الشركات، خاصة الأجنبية، لا تزال تعمل وفق قواعدها الخاصة؟

والمفارقة الأكبر أن التشريع الرقمي في العالم العربي، رغم حداثته، يعاني من مشكلة “التأخر البنيوي”. فالقوانين تُسن بعد سنوات من ظهور التقنية، ثم تصبح عاجزة عن اللحاق بها. فحين صدرت قوانين الجرائم الإلكترونية في الأردن ومصر والسعودية بين 2007 و2015، لم تكن هناك منصات تواصل اجتماعي كما نعرفها اليوم، ولا ذكاء اصطناعي توليدي، ولا عملات رقمية. واليوم، تجد هذه القوانين نفسها مضطرة للتكيف مع واقع لم تتوقعه.

في النهاية، التشريع الرقمي العربي ليس فاشلاً ولا ناجحاً بشكل مطلق. إنه تجربة ناشئة، تعكس توتراً حقيقياً بين الحاجة إلى التنظيم والخوف من القيود، بين حماية المواطن وحماية الدولة. والسؤال ليس: هل لدينا قوانين رقمية؟ بل: هل لدينا القوانين الصحيحة؟ وهل نطبقها بعدالة؟ الجواب لم يتضح بعد، لكن المؤكد أن الطريق لا يزال طويلاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.