ميادة إسماعيل تكتب | مصر والتحولات الدولية
لم تعد أهمية موقع مصر الجغرافي تُقاس فقط بكونها نقطة التقاء بين قارات العالم، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الموقع إلى أداة فاعلة في صناعة المصالح والشراكات.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، اليوم، في توقيت بالغ الدلالة؛ فالعلاقات المصرية الصينية تحتفل بمرور سبعين عامًا على تأسيسها، بينما يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد والتجارة والتحالفات. وقد أكدت الرئاسة المصرية أن الزيارة تستهدف تعزيز الشراكة السياسية والاقتصادية والتنموية بين البلدين، ومتابعة تنفيذ الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة عام 2014.
لكن قراءة الزيارة من منظور العلاقات الثنائية وحده قد لا تكون كافية.
فالصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا تضم أكثر من مائة مليون مواطن فقط، ومصر لا تنظر إلى الصين باعتبارها مصدرًا للاستثمار والتكنولوجيا فحسب؛ وإنما تلتقي مصالح البلدين عند مساحة أوسع: قدرة مصر على أن تكون حلقة وصل بين دوائر اقتصادية وسياسية وجغرافية متعددة.
وهنا تكمن إحدى أهم أوراق القوة المصرية.
فالموقع على البحرين المتوسط والأحمر، وقناة السويس، والامتداد العربي والأفريقي، كلها ليست مزايا جغرافية ثابتة، بل أصول استراتيجية يمكن أن تتضاعف قيمتها كلما استطاعت مصر أن تربطها بالصناعة والتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نستفيد من موقع مصر؟
بل: كيف نحول الموقع إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري؟
الإجابة تبدأ من الاستثمار في القدرة على الإنتاج.
فالمشروع الصيني لشركة «جاسان جروب» في القنطرة غرب، باستثمارات تبلغ 117 مليون دولار، وعلى مساحة 300 ألف متر مربع، مع استهداف تصدير 90% من الإنتاج وتوفير نحو 6 آلاف فرصة عمل مباشرة عند الوصول إلى كامل الطاقة الإنتاجية، يقدم مثالًا على إمكانية توظيف الموقع والبنية الصناعية في إنتاج سلع موجهة إلى الأسواق العالمية.
لكن الأهم من المشروع ذاته هو ما يمكن أن يبنى حوله.
فالقوة الاقتصادية لا تأتي من مصنع منفرد، وإنما من منظومة: موردون محليون، عمالة مؤهلة، نقل وتخزين، تكنولوجيا، تدريب، خدمات مالية، وأسواق تصدير. وكلما اتسعت هذه المنظومة، ارتفعت القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد المصري من أي استثمار.
وهنا يصبح مفهوم «الشراكة» أكثر عمقًا من مجرد دخول رأس المال.
الشراكة الحقيقية هي التي تجعل الطرفين أكثر قدرة بعد تنفيذها مما كانا عليه قبلها؛ فمصر تحتاج إلى استثمارات تضيف إلى قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية، والصين تحتاج إلى شريك يتمتع بموقع استراتيجي وقدرة على الوصول إلى أسواق واسعة.
وهذه المعادلة تمنح مصر فرصة مهمة في المرحلة المقبلة: أن تفاوض من موقع القيمة، لا من موقع الاحتياج فقط.
فكلما زادت قدرة مصر على التصنيع والتصدير، وارتفعت كفاءة كوادرها، وتطورت بنيتها التحتية، واتسعت شبكة شراكاتها الدولية، أصبح موقعها في الاقتصاد العالمي أكثر قوة، وأصبحت الشراكات الخارجية أداة لتحقيق المصالح الوطنية لا غاية في حد ذاتها.
ومن هنا تبرز أهمية ما يحدث اليوم.
زيارة الرئيس الصيني ليست حدثًا منفصلًا عن التحولات التي يشهدها العالم، كما أن الاحتفال بسبعين عامًا من العلاقات ليس مجرد استدعاء للتاريخ. الأهم هو أن هذه العلاقة تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والقدرة على النفاذ إلى الأسواق جزءًا أساسيًا من معادلة القوة.
وفي هذه المرحلة، لا ينبغي أن يكون طموح مصر هو جذب المزيد من الاستثمارات فقط، وإنما جذب الاستثمارات التي تستطيع أن تُنتج معرفة، وتخلق فرصًا نوعية، وتدعم الصادرات، وتربط الصناعة المصرية بالاقتصاد العالمي.
كما أن الرهان الأكبر يظل في الإنسان؛ لأن الموقع لا يصنع قوة اقتصادية وحده، والاستثمار لا يصنع تنمية مستدامة من دون كوادر قادرة على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها.
لذلك، فإن مستقبل الشراكات المصرية لا يُقاس فقط بما يدخل إلى مصر من استثمارات، وإنما بما يبقى فيها من قدرة وخبرة ومعرفة وفرص.
بعد سبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية، ربما تكون الرسالة الأهم أن العالم لم يعد يمنح النفوذ للدول التي تمتلك موقعًا استراتيجيًا فقط، وإنما للدول التي تعرف كيف تستخدم هذا الموقع.
ومصر تمتلك الموقع، وتمتلك التاريخ، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المقومات إلى قوة إنتاجية وتفاوضية قادرة على صناعة القرار الاقتصادي، وفتح مسارات جديدة للتنمية، وتعزيز مكانة مصر في محيطها العربي والأفريقي والدولي.
ففي عالم يعاد فيه ترتيب موازين القوة، لا يكفي أن تكون مصر في قلب الخريطة.
المطلوب أن تصبح في قلب حركة الاقتصاد والتجارة وصناعة المستقبل وهذا ما يحدث .