هاجر محمد موسى تكتب | حلول اقتصادية من داخل الصندوق
قبل اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، كان
الاقتصاد المصري يعيش فترة عصيبة من تباطؤ النمو وتراجع المؤشرات، سواء بتدهور التصنيف
الائتماني، أو بتزايد أعباء الديون في ظل عدم توفر العملة الأجنبية اللازمة للوفاء
بها. ومع امتداد الموجة التصادمية الإقليمية التي هددت مضيق هرمز ورفعت تكاليف التأمين
على الواردات، تحولت الأزمة الهيكلية إلى صدمة سعرية حادة، حيث انهار سعر صرف الجنيه
أمام الدولار ليتجاوز اثنين وخمسين جنيهاً في السوق الموازي، بينما ظل السعر الرسمي
عالقاً عند مستويات أقل بكثير.
هنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن للتحكم
في سعر الصرف، وتشجيع الاستثمار، ومشاركة القطاع الخاص أن تشكل معاً “حلولاً من
داخل الصندوق”، لا تنتظر مساعدات خارجية، بل تعيد هندسة السياسات النقدية والمالية
ليُحسّ المواطن المصري بتغيير تدريجي نحو الأفضل؟
أولاً: التحكم في سعر الصرف كأداة نقدية لا
كسلعة مضاربة
إن إعادة العملة الأجنبية إلى وضعها الطبيعي،
بتحويلها من سلعة يتكالب عليها المضاربون والمتاجرون إلى أداة نقدية تُستخدم للغرض
الأصلي المتمثل في سداد الواردات وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة، هي خطوة في غاية
الأهمية على طريق استقرار الأسواق. ولتحقيق ذلك، يجب مراعاة ما يلي:
كسر ثنائية السوق الموازي والرسمي عبر سياسة
سعر صرف هجينة مؤقتة، بحيث يكون هناك سعر رسمي للسلع الأساسية والغذاء والدواء، وسعر
مرن مُدار للسلع الأخرى، مع إعلان خريطة زمنية للتوحيد خلال اثني عشر شهراً.
ألا يؤدي توافر النقد الأجنبي قصير المدى عبر القروض أو التسهيلات إلى العودة
بالسوق الموازية، بل يجب أن يُستغل لتعزيز الاحتياطي وتمكين البنوك من تغطية الطلب
الحقيقي فقط، مثل الطلب للسفر أو العلاج أو الاستيراد الضروري.
ثانياً: تشجيع الاستثمار كمحور لزيادة مدخلات
الدولة وتخفيف أعباء الديون
علينا اتباع سياسات اقتصادية رشيدة فيما يتعلق
بتشجيع الاستثمار عموماً، والاستثمار في التصنيع القائم على التصدير بشكل خاص، باعتبارها
أموراً لا يمكن تجاهلها. فبدون زيادة الصادرات السلعية والخدمية، لن يتحقق توازن مستدام
في سوق الصرف. والمؤشرات الحالية تحذر من
تراجع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى ما يزيد قليلاً على ملياري
دولار في الربع الأول من عام ألفين وستة وعشرين، مقابل ثلاثة مليارات ونصف المليار
في الفترة نفسها من العام السابق.
و انكماش مؤشر مديري المشتريات إلى ست وأربعين
نقطة واثنين من عشرة، وهي قراءة تشير إلى استمرار انكماش القطاع غير النفطي.
بالإضافة لخطورة ارتفاع العائد على السندات
الدولارية لمصر إلى اثنتي عشرة نقطة وثمانية من عشرة بالمائة، مما يعكس مخاطر ائتمانية
متزايدة في نظر المستثمرين الأجانب.
لذلك، يجب أن تتجه سياسات التحفيز إلى قطاعات
التصدير والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، مع رد أعباء الصادرات بنسبة عشرين بالمائة
نقداً بالدولار، بشرط إعادة استثمار جزء من هذه الأموال محلياً.
ثالثاً: تفعيل مشاركة القطاع الخاص وهي حلول
من داخل الصندوق لا أيديولوجيات
يجب عودة دور القطاع الخاص المحلي والأجنبي
إلى دوره الطبيعي في الاقتصاد، سواء على المستوى المنفرد أو على مستوى مشاركة الدولة
في مشروعاتها التي آن أوان حصد مكاسبها، وذلك باتباع آليات السوق تحت مظلة قوانين العرض
والطلب. وأنواع المشاركة المطلوبة كحلول جاهزة من “داخل الصندوق” تشمل ما
يلي:
أولاً، الشراكة في البنية التحتية مثل تخزين
الحبوب ومحطات تحلية المياه، وذلك بهدف تقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي
والمائي.
ثانياً، مشاركة رأس المال المختلط عبر طرح
حصص إضافية من شركات القطاع العام والجيش في البورصة المصرية، مع تقييد جزء من الحصيلة
بالدولار لدعم الاحتياطي النقدي.
ثالثاً، إقامة المناطق اللوجستية المشتركة
بحيث يتولى القطاع الخاص إدارة مناطق جمركية بالشراكة مع هيئة المناطق الحرة، لتعويض
تراجع إيرادات قناة السويس الناجم عن تحويل مسارات السفن جراء الحرب.
رابعاً، التعاقد على الإنتاج في مجال الطاقة
المتجددة، حيث يقوم القطاع الخاص ببناء محطات الطاقة ويبيع الكهرباء للقطاع العام بالجنيه،
مقابل حصول الأخير على شهادات كربون قابلة للتحويل إلى دولار.
من أجل إعادة تعريف دور الدولة في النشاط
الاقتصادي، والانتقال من نموذج “الدولة المُشغِّل” إلى نموذج “الدولة
المُنظِّم والمُشجِّع”. يُعد القطاع الخاص، وفق هذا التوجه، المحرك الأساسي للنمو
وخلق فرص العمل، في إطار تحول استراتيجي يعترف بحدود قدرة الدولة على الاستمرار في
قيادة عملية التنمية
تنوعت آليات إشراك القطاع الخاص في مصر، متجاوزة
نموذج الخصخصة التقليدي إلى أدوات أكثر تعقيداً وتنوعا
1. برنامج الطروحات الحكومية
تحول هذا البرنامج من مجرد بيع أصول حكومية إلى إنشاء “شراكات استراتيجية”.
الهدف لم يعد فقط تحصيل عائدات مالية، بل تعظيم قيمة الأصل من خلال ضخ خبرات إدارية
وتكنولوجية وتوسيع قاعدة المساهمين.
2. نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص أعلنت الحكومة عن استهداف طرح أكثر من 20 مشروعاً
جديداً في إطار هذا النظام. تشمل هذه الآلية تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات
العامة (مثل الطاقة والمياه والنقل) بتمويل وإدارة من القطاع الخاص، مقابل عقود طويلة
الأجل تضمن عوائد استثمارية مستقرة، مما يخفف العبء الاستثماري المباشر عن الموازنة
العامة.
3. صناديق الاستثمار القطاعية: ظهرت أدوات تمويلية
مبتكرة مثل أول صندوق استثمار صناعي في مصر، والمقرر إطلاقه خلال عام 2026. يهدف هذا
الصندوق، الذي يُعد الأول من نوعه، إلى تحويل التمويل من الإقراض المصرفي التقليدي
إلى التمويل بالأسهم، وتعبئة المدخرات المحلية لتوجيهها نحو الأنشطة الإنتاجية.
4. إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة: تركزت الجهود
على إنشاء وحدة مركزية لإعادة الهيكلة، تعمل على فصل دور الدولة كمالك عن دورها كجهة
تنظيمية، وتحسين كفاءة الأصول المتبقية لتصبح أكثر جاذبية للشراكة مع المستثمرين.
تمثل وثيقة ملكية الدولة ومشاركة القطاع الخاص
تحولاً جوهرياً في النموذج الاقتصادي المصري، من اقتصاد “ريعي”يعتمد على
الإيرادات النقدية المباشرة (كتحصيل رسوم الجمارك والضرائب العقارية، وإيرادات قناة
السويس وتحويلات العاملين بالخارج) التي تخضع لهزات دورية وسريعة التأثر بالصدمات الخارجية،
إلى اقتصاد “ائتماني تنافسي” قائم على الجدارة الائتمانية، وتوسيع قاعدة
الإنتاج، وبناء أصول منتجة طويلة الأجل.
في الاقتصاد الريعي، تظل الدولة في موقع المتلقّي
لإيرادات نقدية جاهزة، بينما تظل هشة أمام أي اضطراب في سلسلة التوريد أو انخفاض في
أسعار السلع الأساسية. أما في الاقتصاد الائتماني التنافسي، فتصبح الدولة قادرة على
توليد الائتمان الداخلي وتحويل الأصول المملوكة
للدولة إلى أدوات مالية قابلة للتداول والتمويل وبناء الثقة بين المستثمر الأجنبي والمحلي
تمثل وثيقة ملكية الدولة الركيزة النظرية
والسياسية لهذا التحول. تم تحديث الوثيقة مؤخراً (النسخة الثانية) استجابة للتحديات
الاقتصادية المستجدة، وهي بمثابة “عقد اجتماعي” جديد يحدد قواعد اللعبة.
تحاول الوثيقة حل الأزمة الاقتصادية عبر ثلاث آليات رئيسية:
ترشيد التواجد الاقتصادي للدولة ، تحدد الوثيقة القطاعات الاستراتيجية التي
ستبقى الدولة مهيمنة عليها (كالأمن القومي والبنية التحتية الكبرى)، وتُلزم الدولة
بالانسحاب التدريجي من الأنشطة الأخرى التي يمكن للقطاع الخاص القيام بها بكفاءة أعلى.
بعد كل
ماسبق يبقى السؤال الذي يجب طرحه اليوم
هل تلك الحلول تجعل المواطن يشعربالتغيير التدريجي نحو الأفضل؟إن الحلول موجودة “داخل الصندوق”،
لكنها تتطلب شجاعة في تطبيق سياسات سعر صرف واقعية، وتحفيزاً موجهاً للتصدير، وشراكة
حقيقية مع القطاع الخاص لا تقوم على الوصاية بل على تقاسم المخاطر والمكاسب. عندها
فقط، سيتحقق الاستقرار النقدي، ويعود للعملة الأجنبية دورها كأداة لا كسلعة، . عندها
تزيد فرص العمل في مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص، وتنخفض أعباء الديون الحكومية،
مما يسمح بتوجيه ميزانية الدولة نحو الدعم الحقيقي والخدمات بدلاً من خدمة الدين
عندها سوف يشعر المواطن بالتغيير التدريجي نحوالأفضل.