ياسر حجازي يكتب | الكينزية والاقتصاد المصري
حين قدّم جون ماينارد كينز نظريته في خضم «الكساد الكبير» في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت فرضيته واضحة وجريئة: عندما يتراجع الإنفاق الخاص وتدخل الأسواق في حالة ركود، يجب على الدولة أن تتدخل كمنفق ومستثمر أخير لتنشيط «الطلب الكلي» عبر مشروعات عامة وضخ سيولة تضمن استعادة عجلة التشغيل. لكن، هل تصلح هذه الوصفة بحذافيرها لمعالجة تشوهات اقتصاد نامٍ مثل الاقتصاد المصري؟
على مدى العقد الأخير، تبنّت السياسة الاقتصادية في مصر سلوكاً يتطابق ظاهرياً مع النهج الكينزي الكلاسيكي؛ حيث توسعت الدولة في الإنفاق العام الضخم، موجهة استثمارات هائلة نحو البنية التحتية من شبكات طرق وموانئ ومدن جديدة ومحطات طاقة. أحدث هذا التدخل دفعة ملموسة في معدلات التشغيل في قطاعات محددة كالإنشاءات والنقل، ونجح في امتصاص صدمات تشغيلية مؤقتة. غير أن النتائج الكلية على المدى المتوسط كشفت عن تباين جذري بين شروط نجاح النظرية الكينزية والواقع الهيكلي للاقتصادات الناشئة.
تفترض الكينزية وجود جهاز إنتاجي مرن ومستقر قادراً على الاستجابة السريعة لزيادة الطلب؛ فإذا أنفقت الدولة، تحركت المصانع لتلبية الطلب الجديد دون قفزات حادة في الأسعار. في مصر، يصطدم هذا الفرض بجمود جانب العرض وضعف المرونة الإنتاجية؛ فالسوق المحلي يعتمد بشكل كثيف على استيراد مدخلات الإنتاج، السلع الوسيطة، والمواد الخام من الخارج. بالتالي، أدى التوسع في الإنفاق وتنشيط الطلب إلى ضغط هائل على موارد النقد الأجنبي، وتحول الطلب الإضافي إلى موجات تضخمية متتالية بدلاً من أن يتحول إلى نمو إنتاجي مستدام ومكتفٍ ذاتياً.
إلى جانب ذلك، اصطدم «مضاعف الاستثمار» الكينزي بتحدي استدامة التمويل. في الدول الصناعية الكبرى، يُموّل التوسع عبر أسواق مالية عميقة أو أدوات دين بالعملة المحلية تظل داخل الدورة الاقتصادية. أما في السياق المصري، فقد ارتبط جزء معتبر من الإنفاق بالاقتراض الخارجي وأعباء خدمة الدين، مما خلق ضغوطاً متزايدة على الموازنة العامة وأسعار الصرف، فضلاً عن إثارة مخاوف حول أثر «المزاحمة» (Crowding-out) التي قيدت قدرة القطاع الخاص المحلي على قيادة الاستثمار والتنافس على الموارد التمويلية المتاحة.
إن الإشكالية الحقيقية في مصر لا تكمن في ضعف الطلب الكلي بقدر ما تكمن في اختناقات جانب العرض؛ وضعف القيمة المضافة الصناعية، وتراجع الإنتاجية التصديرية. هذا الواقع يوضح أن التدخل الحكومي بمفرده، مهما بلغت كفاءته الإنشائية، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاحات هيكلية تعيد توجيه أولويات الإنفاق.
الخروج من هذا المأزق يتطلب تجاوز فكرة “الإنفاق لمجرد الإنفاق” نحو كينزية موجهة وصانعة للإنتاج؛ تركز على توطين سلاسل الإمداد، وتخفيف الأعباء البيروقراطية والتنظيمية عن القطاع الخاص، وتحويل استثمارات الدولة لتكون عامل تمكين وشراكة لا مزاحمة. لا تكفي الكينزية وحدها لإنقاذ الاقتصاد المصري ما لم ترتبط ببناء قاعدة تصنيعية وتصديرية قادرة على تحويل كل جنيه يُنفق إلى سلعة حقيقية تُنتج أو حصيلة دولارية تُكتسب.