د. رامي جلال يكتب | أحبوا بعضكم بعضًا “

0

 

اليوم، يحتفل العالم بعيد الحب، بينما نحن أحوج ما نكون إلى أن نفهم الحب لا أن نشتريه. فالحب ليس وردةً حمراء، ولا صورة على مواقع التواصل، ولا وعدًا عاطفيًا سريع الذوبان، لكنه، في جوهره، فعل أخلاقي، وقرار واع، وتضحية فردية من أجل بقاء المجموع.
خلق الله الإنسان ليأنس ويؤنس، ليحب ويُحَب، لأن الإنسان بلا حب يتحول إلى آلة، وبلا انتماء يتحول إلى خطر. والحب ليس شعورًا عابرًا، بل قوة منظمة للعالم. به تستقر الأسرة، ويهدأ المجتمع، وتُدار الخلافات بلا انفجار.
لعل أصعب أشكال الحب ليست بين العشاق، ولا حتى بين الأزواج، بل محبة من يختلف معك، ومن يعاديك؛ فأن تحب من يحبك أمر طبيعي، أما أن تحب من يؤذيك فذلك فعل يتجاوز الغريزة. هو تضحية بلا مقابل، بل أحيانًا يكون مقابلها ماديًا ومعنويًا مؤلمًا. ومع ذلك، هو أعلى درجات النضج الإنساني.
جعل الإسلام جعل المعاشرة بالمعروف والتراحم أساسًا للعلاقة الإنسانية. والقرآن يربط بين الإيمان وحسن الخلق، لأن الإيمان بلا محبة قسوة، والمحبة بلا أخلاق فوضى. أما الفكر المسيحي فقد تحدث عن محبة الأعداء باعتبارها التحدي الأكبر: “ليس لأحد حب أعظم من هذا، أن يبذل المرء نفسه فداءً لأحبائه”.
الحب ليس ضعفًا، بل قوة منضبطة. وهو القدرة على كبح الغضب، وتأجيل الانتقام، واختيار البناء بدل الهدم. الكراهية أحيانًا ليست نقيض الحب، بل درجة من درجات التقدير المشوَّه. نحن لا نكره من لا يعني لنا شيئًا. الكراهية غالبًا ما تكون اعترافًا بقيمة الآخر، لكنها اعتراف عاجز.
مع ذلك، لا يمكن أن نطلب من إنسان أن يحب العالم وهو يكره نفسه. محبة الذات ليست أنانية، بل شرط السلام النفسي. أن تتصالح مع نفسك، مع أخطائك، مع نقصك البشري، هو الخطوة الأولى نحو القدرة على محبة الآخرين دون حقد أو تنافس مرضي.
الحب الحقيقي لا يلغي الاختلاف، بل يديره. ولا ينكر الصراع، لكن يضبطه. لا يلغي العدل، إنما يعمّقه. وهو انتقال من “أنا” إلى “نحن”، ومن حق الفرد إلى مسؤولية الجماعة.
ربما لم نحتج إلى الحب كما نحتاجه الآن؛ فعالمنا مليء بالضجيج، سريع الاشتعال، قليل الصبر. نختلف فنُقصي، نغضب فنقطع، نعارض فنُشيطن. بينما الحقيقة البسيطة أن المجتمعات لا تبقى بالكراهية، ولا تتماسك بالشماتة، ولا تبني مستقبلها بالغضب الدائم.
في عيد الحب، لا أطلب منكم أن تتبادلوا الهدايا، بل أن تمارسوا الشجاعة، بل أقدم الوصية الأعظم، أن تحبوا بعضكم بعضًا. وأن تختاروا الرحمة بدل القسوة، والحكمة بدل الانفعال، والتضحية الصغيرة اليومية التي تحفظ المجتمع من التفكك. فالحب ليس مناسبة.. الحب قرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.