عمرو البنا يكتب | الوعي في معرض الكتاب

0

“الزحمة في معرض الكتاب مش دليل على إننا شعب بيقرأ بس دليل على حاجة أهم بكتير..”
معرض الكتاب دايمًا بييجي ومعاه نفس السؤال: هل لسه بنقرا؟ والسؤال في حد ذاته مش دقيق والأصح: إزاي بنقرا ؟ وليه ؟ وايه الأثر ؟
في كل سنه وفي نفس الوقت ده المعرض بيتحول لزحمه وصور شنط وكتب وفي وسط كل ده في حكاية تانية بتحصل في السكوت.. حكاية الوعي اللي بيتبني طوبه فوق طوبه جنب صخب البيع والشراء
المعرض مش مناسبة ثقافية وخلاص هو محطة مؤقتة في رحلة أطول بكتير اسمها الوعي.
والجميل في المعرض إنه بيكسر فكرة إن الثقافة حكر على النخبة .. ناس مختلفة بأعمار مختلفة و اهتمامات مش زى بعضها وكل واحد داخل يدور على حاجة شبهه وده في حد ذاته شكل من أشكال الوعي : إنك تدرك إن المعرفة مش قالب واحد ولا طريق واحد.
ومش كل اللي داخل المعرض هيطلع مثقف ولا مطلوب أصلاً .. في اللي داخل يشتري كتاب واحد يفتحه على مهله وفي اللي داخل يتفرج وفي اللي داخل يستعيد علاقة قديمة مع القراءة كان فاكرها راحت.
والوعي مش بيحصل دفعة واحدة ولا في قاعة ندوات ولا بين جناحين لتوقيع الكتب الوعي بيبتدي غالبًا بسؤال بسيط أو جملة علّمت أو كتاب اتفتح في وقت مناسب ويمكن أكتر حاجة لافتة في معرض الكتاب مش عدد الكتب ولا أسماء الكتّاب لكن المشهد الإنساني اللي بيتكرر كل سنة زى أب ماسك إيد ابنه وبيحاول يزرع جواه فكرة أو شاب واقف متردد قدام رف طويل مش عارف يبدأ منين أو بنت فاتحة كتاب وبتقلب صفحاته كأنها بتجس نبضه قبل ما تقرر تكمّل معاه المشوار .. المشاهد دي بسيطرة بس لو اتبصّ لها بتركيز هنفهم إن القراءة مش فعل نخبوي ولا قرار لحظي لكنها حالة تدرّج ومحاولات صغيرة بتتراكم من غير ما نحس
وللأسف إحنا أحيانًا بنقيس الوعي بمعايير غلط زى عدد الكتب المقروءة أو نوعية العناوين أو اسماء المفكرين إلى بتقرأ لهم لكن الحقيقة إن الوعي بيبقى أوسع من كده بكتير الوعي ممكن يبدأ من كتاب سهل من عنوان شدّ الفضول من غلاف لمس حاجة جوانا مفيش طريق واحد للمعرفة ولا ترتيب إجباري للقراءة
أحياناً فكرة واحدة في فصل واحد بتمثل ميلاد لوعي جديد
وأحيانًا كتاب واحد كفيل إنه يفتح الباب والباقي ييجي بعده.
وكل تجربة قراءة مهما كانت بسيطة هي خطوة لقدّام
ومعرض الكتاب في اللحظة دي بيلعب دور مختلف.. هو مش مصنع وعي جاهز لكنه مساحة احتمال .. احتمال إن شخص يلاقي كتاب يغيّر وجهه نظره أو على الأقل يخلّيه يشكّ في مسلّمات كان واخدها كده من غير تفكير والشك هنا مش سلبي بالعكس هو أول علامات الوعي الحقيقي.
واللي يمكن ما بناخدش بالنا منه إن المعرض كمان بيكشف علاقتنا المتوترة مع المعرفة: إحساسنا بالذنب إننا ما بنقراش كفاية أو إحساس البعض بالاستعراض إننا لازم نبان بنقرا و لكن في وسط الزحمة دي بيبقى في ناس قليلة هادية خارجة من المعرض بكتاب واحد أو حتى من غير كتب خالص بس شايلة سؤال جديد أو رغبة مؤجلة أو وعد صغير مع نفسها إنها ترجع تقرا تاني.
معرض الكتاب مش مقياس نهائي لوعينا بس تذكير سنوي إن العلاقة بالمعرفة لسه موجودة وبتتجدد وبتدور على فرصة.
والفرصة الحقيقية مش جوه المعرض…
الفرصة في اللي بيكمّل بعده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.