محسن شعلة يكتب | حرية التعبير بين الحق والخطر

0

تُعد حرية التعبير واحدة من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، فهي الوسيلة التي تتيح للأفراد إبداء آرائهم، والمشاركة في الشأن العام، والمساهمة في تطوير الفكر والسياسات. غير أن هذه الحرية، رغم قدسيتها، قد تتحول إلى أداة هدم إذا أسيء استخدامها وتجاوزت حدودها نحو التطرف في القول أو الفعل. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين ممارسة الحق المشروع، والانزلاق إلى مسار يهدد استقرار المجتمع وأمنه الفكري.أولًا: مفهوم حرية التعبيرحرية التعبير تعني قدرة الإنسان على إعلان أفكاره ومعتقداته وانتقاد الأوضاع والسياسات بوسائل مشروعة وسلمية، دون خوف أو قمع، مع الالتزام بالقانون واحترام حقوق الآخرين. وهي ليست امتيازًا مطلقًا، بل حق مقيد بعدم الإضرار بالغير أو التحريض على العنف أو الكراهية. فحرية التعبير الحقيقية تُبنى على الحوار، والاختلاف الواعي، والبحث عن الحقيقة، لا على الفوضى أو الإساءة.ثانيًا: التطرف في التعبير بالقولالتطرف في القول يبدأ عندما تتحول الكلمة من وسيلة رأي إلى أداة تحريض، ومن نقد إلى تشويه، ومن اختلاف إلى تكفير أو تخوين. فالتعبير المتطرف لا يسعى للإقناع، بل لفرض الرأي بالقسوة اللفظية، ونشر الكراهية، وبث الشائعات، وإثارة الفتن. وهنا تفقد الكلمة شرفها، وتتحول من حق مشروع إلى خطر مجتمعي.ثالثًا: التطرف في التعبير بالفعلأما التطرف في الفعل، فهو المرحلة الأخطر، حيث تنتقل الأفكار المتطرفة من حيز الكلام إلى سلوك عدواني يهدد الأفراد والمؤسسات، سواء عبر العنف الجسدي، أو التخريب، أو تعطيل مصالح المجتمع. وعند هذه النقطة، لا يعود الأمر حرية تعبير، بل جريمة يعاقب عليها القانون، لأنها تمس أمن الدولة وسلامة المواطنين.رابعًا: الفرق الجوهري بين الحرية والتطرفالفرق بين حرية التعبير والتطرف يكمن في الهدف والوسيلة والنتيجة:حرية التعبير تهدف للإصلاح، والتنوير، وتبادل الأفكار.التطرف يهدف للسيطرة، والإقصاء، وإشعال الصراع.حرية التعبير تستخدم الحوار والمنطق.التطرف يستخدم التحريض والتهديد والعنف.خامسًا: مسؤولية الفرد والمجتمعممارسة حرية التعبير مسؤولية قبل أن تكون حقًا. فالمجتمعات الواعية لا تخشى الآراء المختلفة، لكنها ترفض الخطاب المتطرف. والدولة الرشيدة تضمن حرية التعبير، لكنها تضع حدودًا قانونية تحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى الفكرية والسلوكية.ختامًاحرية التعبير هي صوت العقل، أما التطرف في التعبير فهو صدى الفوضى. وبين الاثنين تقف المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تميز الإنسان الواعي عن المنجرف خلف الغضب والاندفاع. فالكلمة قد تبني وطنًا، وقد تهدمه… والاختيار دائمًا بيد صاحبها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.