يأتي العيد هذا العام كما يأتي دائمًا، في موعده! لكن ليس دائمًا في حاله. فالأعياد لا تعود كما كانت، بل تعود وقد تغيّر معناها، لأننا نحن أنفسنا لم نعد كما كنا. نعيد الطقوس ذاتها، ونرتدي الملابس نفسها، ونردد العبارات المعتادة. لكن بين الكلمة ومعناها مسافة صامتة، اتسعت هذا العام أكثر من أي وقت مضى.
في الماضي، كان العيد لحظة واضحة المعنى. فرح بسيط، وزيارات عائلية، وضحكات، وأطفال، ونوع من الاطمئنان الداخلي بأن العالم، رغم كل شيء، ما زال قابلًا للحياة. كان العيد أشبه باستراحة قصيرة من صخب الواقع، لحظة يعود فيها الإنسان إلى بساطته الأولى، ويشعر أن الأشياء، على الأقل مؤقتًا، في مكانها الصحيح.
أما اليوم، فنحن نستقبل العيد ونحن نحمل في وعينا صورًا مختلفة تمامًا. صور أقل براءة، وأكثر قسوة. لم تعد الحروب بعيدة كما كانت، ولم تعد مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت جزءًا من وعينا اليومي، تتسلل إلى هواتفنا، وإلى شاشاتنا، وإلى أحاديثنا العادية. صار العالم أكثر حضورًا في تفاصيلنا، وأصبح من الصعب أن نفصل بين لحظة الفرح وما يحيط بها من قلق.
لم يعد العيد مجرد مناسبة اجتماعية، بل تحوّل، في هدوء، إلى اختبار صامت لقدرتنا على الاستمرار. وأصبح تحدياتنا كثيرة: كيف نفرح في عالم تتجاور فيه مشاهد البهجة مع مشاهد الألم؟ وكيف نبتسم ونحن نعرف أن هناك من فقدوا القدرة على الاحتفال أصلًا؟ لا تُقال هذه الأسئلة بصوت عالٍ، لكنها حاضرة في الخلفية، كظل ثقيل يرافقنا دون أن نراه مباشرة.
رغم كل ما سبق، لا يتوقف الناس عن الاحتفال. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إنسانية وتأملًا. فربما لم يعد العيد تعبيرًا عن الفرح الخالص، لكنه لم يتحول أيضًا إلى حزن كامل. بل أصبح شيئًا بين الاثنين، بمعنى: مساحة نحاول فيها أن نحمي ما تبقى من قدرتنا على الشعور، ونتمسك فيها بما تبقى من إنسانيتنا.
في هذا السياق، يمكن أن نفهم العيد بوصفه فعل مقاومة هادئة. مقاومة لفكرة أن القلق يمكن أن يبتلع كل شيء، وأن العالم لا يترك لنا مساحة للبهجة. نحن نحتفل لا لأن الظروف مثالية، بل لأننا نرفض أن تتحول الحياة إلى سلسلة متصلة من الأزمات. نضحك، نزور، نتبادل التهاني، وكأننا نُعلن بهدوء أنهه ما زال فينا ما يستحق أن يعيش.
اللافت حقًا أن معنى العيد نفسه تغيّر؛ فلم يعد قائمًا على الوفرة أو المظاهر أو الامتلاء، بل أصبح أقرب إلى لحظات صغيرة جدًا مثل: مكالمة صادقة، أو لقاء عابر، أو ضحكة حقيقية، أو حتى لحظة صمت نشعر فيها أننا ما زلنا قادرين على الإحساس. كأن العيد، في زمن القلق، انكمش في شكله، لكنه اتسع في معناه.
ربما لم نفقد العيد، لكن فقدنا بساطته القديمة. وربما لم تتغير المناسبة، بل تغيرنا نحن. أصبحنا أكثر وعيًا، وأكثر قلقًا، وأكثر إدراكًا لهشاشة هذا العالم. وهذا الوعي، رغم قسوته، يمنح العيد عمقًا مختلفًا. لم يعد مجرد استراحة من الحياة، بل لحظة للتأمل فيها.
هنا يعود السؤال المتجدد دومًا: بأي حال عدت يا عيد؟ لكن الإجابة لم تعد تتعلق بالعيد وحده، بل بنا نحن. بأي حال نعود نحن إلى العيد؟ وبأي قدرة على الفرح؟ وبأي قدر من التماسك؟
نعود ونحن نحمل ما لم نكن نحمله من قبل: أسئلة، وشكوك، وصور، وخبرة أثقل بالعالم. لكننا نعود أيضًا بشيء لا يقل أهمية وهي القدرة المستمرة على خلق المعنى، حتى في ظل الاضطراب، في زمن القلق.. قد لا يكون هذا أجمل عيد، لكنه ربما يكون أصدقها.