عامر هشام الصفّار يكتب | الوجه أسرار الهوية

0

تروي الكاتبة والأستاذة في التاريخ الحديث بـكلية كينغز لندن، فاي باوند-ألبرتي، تجربة شخصية عميقة قادتها إلى اكتشاف إصابتها بأضطراب نادر يُعرف بـ«عمى الوجوه» أو «البروسوباغنوزيا»، وذلك بعد سنوات من العمل على مشروع بحثي طموح حول المعاني المتعددة للوجه عبر التخصصات المختلفة.
وفي كتابها الجديد الوجه: تاريخ ثقافي، تروي لحظة مؤثرة حين ذهبت لأصطحاب ابنتها من الحضانة، لكنها عجزت عن تمييزها بين الأطفال. وتصف تلك اللحظة بقولها إن عدم القدرة على التعرف على طفلها كان تجربة قاسية ومزلزلة. غير أن هذا الضعف الإنساني أضفى على كتابها عمقًا إضافيًا، وجعل منه عملًا فكريًا ثريًا يتتبع تطور مفهوم الوجه عبر التاريخ.
تطرح باوند-ألبرتي مفهوم «هوية الوجه»، الذي يربط بين ملامح الإنسان وفرديته، وتستعرض من خلاله تاريخ التصوير الوجهي، بدءًا من الرسوم البدائية في عصور ما قبل التاريخ التي كانت تفتقر للتفاصيل، مرورًا بالنحت اليوناني الذي بدأ يُبرز الملامح البشرية، وصولًا إلى فنون عصر النهضة التي اهتمت بالتعبير العاطفي إلى جانب البنية التشريحية. لكنها تؤكد أن الوجه لم يكن يومًا مجرد ملامح بيولوجية، بل هو نتاج للثقافة واللغة والمعتقدات والبيئة.
وفي فصول لاحقة تحمل عناوين دلالية مثل «مُلتقط» و«منعكس» و«مُعاد تشكيله»، تناقش الكاتبة كيف أن التعامل مع الوجه ككيان ثابت خارج التاريخ يُعد نوعًا من «عمى ثقافي». وتشير إلى أن التصوير الفوتوغرافي، رغم مساهمته في تعميم الصور الشخصية، قد فتح الباب أيضًا أمام أدوات رقابية قمعية مثل التصنيف البيومتري، والتي تُستخدم أحيانًا لتعزيز التحيزات العرقية والجندرية.
كما تنتقد الهوس بمعايير الجمال الأوروبية الضيقة، لما له من آثار تتجاوز الإنفاق الهائل على عمليات التجميل، ليصل إلى وصم الأشخاص ذوي الاختلافات الشكلية. وتلفت إلى أن تقنيات تصوير الأجنة، التي يفترض أن تطمئن الآباء، قد أصبحت مصدر قلق إضافي في مجتمع يضع المظهر الخارجي في مرتبة لا تقل أهمية عن الصحة.
وترى الكاتبة أن تاريخ تعبيرات الوجه هو في جوهره تاريخ للسلطة: من يحدد معنى التعبير؟ ومن يُصنَّف وجهه على أنه طبيعي أو غير طبيعي؟ ومن يُنظر إليه على أنه جدير بالثقة أو مثير للريبة؟ وتؤكد أن فهم هذه الافتراضات هو الخطوة الأولى نحو تغييرها.
يمتاز الكتاب بطابعه الأكاديمي العميق، لكنه لا يخلو من لحظات إنسانية قريبة، تكشف حضور الكاتبة في السرد، مثل موقفها مع أحد الباحثين الذي اعترض على أسئلتها بمحاولة تقييم جمال وجهها بطريقة «علمية»، وهو ما أثار استياءها.
وتبلغ الدراسة ذروتها في فصل استثنائي حول زراعة الوجوه، يتضمن مقابلات مع جراحين ومرضى وعائلاتهم. تستعرض فيه المخاطر الطبية والتحديات الأخلاقية المعقدة، وتقارن بين النهج الحذر في بريطانيا وتجارب دول أخرى. فمنذ أول عملية زراعة وجه في فرنسا عام 2005، أُجريت نحو 50 عملية حول العالم، في أوروبا والصين والولايات المتحدة.
ورغم التقدم الطبي الكبير، تحذر باوند-ألبرتي من تجاهل الآثار الجسدية والنفسية العميقة لهذه العمليات، مؤكدة أن الوجه ليس مجرد عضو يمكن استبداله بسهولة، بل هو جزء جوهري من الهوية الإنسانية. وتشدد على أن نجاح زراعة الوجه لا يمكن قياسه طبيًا فقط، بل يجب تقييم تأثيره على حياة الشخص وعلاقته بالعالم من حوله.
ورغم معاناتها من صعوبة التعرف على الوجوه، تقدم باوند-ألبرتي من خلال هذا العمل رؤية ثاقبة تُعيد تعريف فهمنا للوجه. بل إن حالتها، في نهاية المطاف، تبدو وكأنها منحتها قدرة خاصة على تجاوز الأحكام السطحية، وكشفت زيف الاعتماد المفرط على المظهر الخارجي في فهم الآخرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.