د. إسلام علي شاهين يكتب |الاقتصاد العالمي والعاصفة

0

دخل الاقتصاد العالمي في مطلع مارس 2026 مرحلة من “الاضطراب الوجودي” جراء اندلاع عملية “الغضب الأسطوري” (Operation Epic Fury) التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إن هذا النزاع، الذي تجاوز في ارتداداته الحدود الجغرافية المباشرة، وضع أمن الطاقة والملاحة العالمية على المحك، لاسيما بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً (20% من الاستهلاك العالمي) و33% من إمدادات الغاز المسال العالمية. وفي خضم هذا “التسونامي” الاقتصادي، برزت الدولة المصرية كفاعل استراتيجي ومحور توازن إقليمي، حيث نجحت في تفعيل “غرفة أزمات” مركزية لإدارة التداعيات وتحويل التحديات الخانقة إلى فرص لتعزيز نفوذها اللوجستي كبديل آمن ومستدام للممرات المشتعلة.
أزمة الطاقة العالمية: وقود الحرب يشعل الأسعارأدى قرار البحرية الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز إلى شلل تام في حركة ناقلات الطاقة؛ حيث توقفت 11 ناقلة غاز قطرية عن الحركة، وأعلنت “قطر للطاقة” وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال كلياً تحت بند “القوة القاهرة”. هذه الخطوات دفعت بأسعار الغاز الأوروبي للقفز فوراً بنسبة تجاوزت 50%، بينما سعّرت الأسواق “علاوة مخاطر” إضافية على برميل النفط الذي تخطى حاجز الـ 85 دولاراً، مع توقعات بنك “جولدمان ساكس” بوصوله إلى 130 دولاراً حال استمرار الإغلاق لمدة شهر. وفي سوق الملاذات الآمنة، سجل الذهب رقماً تاريخياً بوصول الأونصة إلى 5400 دولار نتيجة هروب السيولة من مناطق التوتر المباشر.
مصر وقطاع الغاز: إدارة الصدمة وتعليق الصادراتتأثرت الدولة المصرية بشكل مباشر بالعمليات العسكرية؛ حيث أوقفت إسرائيل صباح السبت، 28 فبراير 2026، ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر “لأجل غير مسمى” من حقلي “تمار” و”ليفياثان” بمعدل 1.1 مليار قدم مكعب يومياً، مستندة إلى بند “القوة القاهرة” في العقود. وفي رد فعل استباقي لتأمين احتياجات السوق المحلية ومحطات الكهرباء، اتخذت الحكومة المصرية والمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، إجراءات حاسمة شملت:وقف التصدير: تعليق ضخ نحو 350 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز المخصص للتصدير عبر مصنع “إدكو” للإسالة لشركتي “شل” و”بتروناس”.تأمين الجوار: وقف ضخ 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً كانت موجهة إلى سوريا ولبنان.بدائل الوقود: رفع كميات المازوت المستخدمة في تشغيل محطات الكهرباء بنسبة هائلة بلغت 333% لضمان استقرار الشبكة القومية ومنع تخفيف الأحمال نهائياً.تعزيز الإنتاج: إعلان خطة لحفر 106 آبار غاز وبترول جديدة خلال العام لزيادة الاعتماد على الموارد المحلية وتأمين الأرصدة الاستراتيجية.
مصر كبديل لوجستي عالمي: من المحنة إلى المنحةبينما تعاني المنطقة من إغلاق المضائق، استثمرت مصر موقعها الجغرافي واستقرارها الأمني لتطرح نفسها كـ “طوق نجاة” لحركة التجارة العالمية، محققة طفرة في الطلب على خدمات “الترانزيت المصري” عبر مسارات آمنة برية وبحرية:بديل هرمز البري: تحولت الموانئ المصرية على البحر المتوسط (الإسكندرية ودمياط) إلى مراكز استقبال للبضائع الأوروبية، ليتم نقلها برياً عبر الشاحنات والسكك الحديدية إلى ميناء سفاجا على البحر الأحمر، ومنه بالعبارات إلى دول الخليج والسعودية. هذا المسار يختصر زمن الرحلة بنحو 10 إلى 12 يوماً مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح، ويسهم في خفض تكاليف التأمين بنسبة كبيرة.خط أنابيب “سومد” (SUMED): أكد وزير البترول المصري قدرة مصر اللوجستية على مساعدة السعودية ودول الخليج في نقل النفط الخام عبر خط أنابيب “سومد” الذي يربط العين السخنة بسيدي كرير بالإسكندرية. يمتد الخط بطول 320 كم وسعة تصديرية تصل لـ 2.5 مليون برميل يومياً، مما يجعله الشريان الأكثر أماناً لنقل نفط “ينبع” إلى الأسواق الأوروبية بعيداً عن مناطق النزاع.أمان الأجواء والموانئ: مع فرض رقابة سيبرانية واستهداف مطارات في الخليج، حولت شركات الطيران العالمية مساراتها لتعبر الأجواء المصرية “الأكثر أماناً”، كما استقبلت أحواض صيانة السفن المصرية ضغوطاً إضافية بعد تضرر موانئ إقليمية مثل “جبل علي”.
الاقتصاد الكلي والاحتياطيات: المرونة أمام الضغوطواجهت مصر تحديات مالية فورية مع اندلاع الحرب؛ حيث قفز سعر صرف الدولار ليتخطى حاجز الـ 50 جنيهاً (مسجلاً 50.5 جنيهاً في بعض البنوك) نتيجة هروب “الأموال الساخنة” وتراجع إيرادات قناة السويس بسبب تحول مسارات السفن. إلا أن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، طمأن الأسواق مؤكداً عدم وجود “أزمة دولارية” وتوافر احتياطيات كافية؛ حيث ارتفع الاحتياطي الأجنبي لمصر ليصل إلى 52.75 مليار دولار بنهاية فبراير 2026. وتعمل الحكومة حالياً على إعادة جدولة شحنات الغاز المسال المستوردة لتعويض النقص وضمان تلبية احتياجات الصناعة.
الردع الداخلي: القضاء العسكري لمواجهة الاحتكارفي خطوة تعكس إدراكاً لخطورة “حرب الاستنزاف الداخلي”، أصدر رئيس الجمهورية توجيهات صارمة بمواجهة مستغلي الأزمات. وأعلن الرئيس السيسي أن البلاد “في حالة شبه طوارئ”، موجهاً بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار وجرائم الاحتكار والامتناع عن توريد السلع الأساسية إلى القضاء العسكري لضمان سرعة الفصل والردع الفوري. وتضمنت القرارات الحكومية عقوبات مغلظة تصل للحبس وغرامة 3 ملايين جنيه، مع التأكيد على أن أمن المواطن الغذائي والدوائي جزء أصيل من الأمن القومي لا يمكن التلاعب به في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

إن القراءة التحليلية للموقف المصري تؤكد أن الدولة نجحت في امتصاص الصدمة الأولى للحرب عبر “المرونة الاستباقية”. إن تحول مصر إلى محور لوجستي بديل، واستقرار احتياطياتها النقدية، وتأمين بدائل الطاقة عبر رفع استهلاك المازوت وتشغيل 5 سفن لتغويز الغاز المسال في السخنة ودمياط، يمثل حائط الصد المنيع الذي يحمي السيادة المصرية. إن الرهان القادم يكمن في استدامة هذا الدور كبديل موثوق لحركة التجارة والطاقة، مع الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية ضد ممارسات الاحتكار، ليظل “المحور المصري” هو رمانة الميزان في منطقة تشتعل بالصراعات الجيوسياسية والاقتصادية.
يَا رَبِّ سَلِّم… وَاحفَظْ مِصْرَ وَأَهْلَهَا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.